إن أكثر اللحظات إرقاً لي هي تلك التي تسبق النوم، ففيها يتجرد المرء من كل ما يشغله عن مشاكله الحقيقية، ويرقد وحيداً في فراشه ليواجه آلامه ويتوحد معها.
أفتقد ذلك النوم الذي كان يأتيني عفواً ليلاً، يتسرب إلى أعماقي برفق، فيُطيب خاطري ويغسل همومي. إنه خدرٌ شهيٌ يهرب مع أولى نفحات الصباح التي تغزو الغرفة، يأتي رقيقاً ويغادر رقيقاً، فأنهض بعده كالمولود الجديد يستقبل الحياة لأول مرة.
عندما سأل إياسو زوجته الجديدة: “ما هي أعظم أمنية أُحقِّقها لكِ؟” أجابت في خفرٍ وحياءٍ: “أن أراكَ مؤمنًا راضيًا.” فابتسم في سعادةٍ غامرةٍ وقال: “إنه لأمرٌ يخصُّني أكثر مما يخصُّكِ. أُريدُ أن أبذلَ شيئًا من أجلكِ، فإذا بكِ تتمنين شيئًا لي.” فقالت: “أنا أنتَ، وأنتَ أنا.” فقال: “امرأةٌ في عزِّ شبابها تتحدثُ كالمتصوفين.” فقالت: “لا أُفكرُ في ذلك يا إياسو الحبيب، إنني فقط أُترجمُ بصدقٍ عما يشعرُ به قلبي، ويُؤمنُ به عقلي. إن زوجةَ الإمبراطور يا إياسو الحبيب يجبُ أن تكونَ أكثرَ من زوجةٍ، وأكثرَ من امرأةٍ، وأكثرَ من حبيبةٍ؛ إنها ذاتُ رسالةٍ خطيرةٍ.” قال مداعبًا: “هل حفظتِ ذلك عن أبيكِ؟” فأجابت: “بل تلقيتهُ عن أمي، ثم رأيتهُ يحدثُ أمام عينيَّ في قصر أبي في هرر. آه، طبعًا أنتَ تعلمُ ما كانت تُقاسيه هرر من موجاتِ الغزوِ الصليبيِّ الأحمرِ، لكأنها كانت دائمًا ميدانَ قتالٍ.” ووجدها إياسو ما زالت تلتزمُ بالجديةِ في حديثها فقال: “إن سعادتي بكِ تفوقُ التصورَ. أنتِ بنتُ الأحداثِ العاصفةِ، والإيمانِ الذي لا يتزعزعُ. إليَّ أيتها الحبيبة.”
إن سر السعادة الزوجية يكمن في ألا تأوي إلى فراشك وفي قلبك ضغينة أو كدر تجاه شريك حياتك. فإن طَهُرَ الصدرُ ونَقِيَ، تدفقت منه المشاعرُ بصفاءٍ وصدقٍ، وكما أن العود لا يصدحُ بنغمٍ عذبٍ إلا إذا خلا جوفه.
الطموح هو الذي يُقِضُّ مضجعك، فيدفعك إلى العمل والتفكير والكدح، ويطرد النوم من جفنيك. أما الرضا، فهو تلك النسائم العليلة التي تهب على قلبك، لتُخبره أن هنيئًا لك بما أنت فيه، مهما كانت الظروف.
صورتُكَ ساكنةٌ في عيني، واسمُكَ لا يفارقُ شفتي، وذكراكَ في أعماقِ روحي؛ فلمنْ سأكتبُ إذن، وأنتَ تتجولُ في كلِّ هذه الأماكنِ؟ كُسرَ القلمُ ومُزِّقَ الورقُ.
ليس ثمة ما يثير الأسى أكثر من صوت الشوكة على طبق في بيت موحش، وتناول الطعام منفردًا، والنوم وحيدًا، والموت وحيدًا.
أَلَعَلَّنا قد أَفْرَطْنا في الحبِّ، واستنفدْنا بشراهةٍ حصَّتَنا من السعادةِ المخصَّصةِ لنا؟ أَتَكُونُ الحياةُ قد ابتلعتْنا؟ إنني ما زلتُ أحتفظُ لها بحبٍّ لا يحدُّه شيءٌ، لكنها لم تَعُدْ بحاجةٍ إليه، فيما يبدو.
كان ثمةَ عاطفةٌ مُرتجفةٌ مُتلهِّفةٌ، وحنينٌ غريبٌ يَشُدُّ إلى عالمٍ مفقودٍ، نصفُه منسيٌّ ونصفُه متذكَّرٌ.