للمقالات تاريخٌ عظيم في التأثير على النفوس، وربما لا يقل شأنها عن الكتب الضخمة، بل قد تفوقها أحيانًا؛ فهي أشبه بالخطب الاختبارية أو المحاضرات العابرة لموقف معين، تُلقى في مجلس أو مجمع، ثم تتطور لتغدو موقفًا فكريًا أو مقالًا محكمًا أو كتابًا يؤسس لفكرٍ راسخ.
كانت حفيدتي كاتلينا في العاشرة من عمرها، وكنا نتمشى في أحد شوارع بوينس آيرس، حين اقترب أحدهم وطلب مني توقيع أحد كتبي، ولا أذكر أي كتابٍ منها. واصلنا المشي صامتين، متعانقين، إلى أن حرّكت كاتلينا رأسها وصاغت هذا التعليق المشجع: “لا أعرف لماذا كل هذا الاهتمام بك، إذا كنتُ أنا لا أقرأك!”
لو كان عليَّ تأليفُ كتابٍ عن الأخلاقِ لجعلتُه من مئةِ صفحةٍ، تسعٌ وتسعون منها بيضاءُ، وكتبتُ في الأخيرةِ: “لا أعرفُ سوى واجبٍ واحدٍ، ألا وهو الحبُّ.”
لنعد إلى مطلع القصيدة، حيث بدأ أول خفق لقلبي على بحر عينيكِ متعاشقًا، تفعيلة واحدة بلا جوازات! اليوم هو يوم ميلادي يا نبض. لا أعرف لماذا كلما مرَّ بي هذا اليوم تذكرتُ المرة الأولى التي رأيتكِ فيها! هل لأنكِ ميلادي في وجه ميلادي، وعمري في وجه عمري؟ أو لأنني، كما أخبرتكِ من قبل، أؤمن أن الإنسان في لحظة ما يولد إنسانًا جديدًا غير الذي كان عليه. وأنا، منذ رأيتكِ، ولدتُ من رحم عينيكِ، ولم يعد يمكنني الرجوع قبلكِ! أتذكركِ جالسة في مكتبة الجامعة، ساحرةً كأنكِ قصيدة جاهلية نظمها ابن أبي سلمى بعد أن بلغ من العمر والشعر عتيًا. عابثةٌ بالقلب كشعر ابن أبي ربيعة. عذبةٌ كبيت لأبي نواس. آخذةٌ بتلابيب القلب كرثاء ابن الرومي لابنه الأوسط. تكللكِ هالة من الحكمة كأنكِ قصيدة للمتنبي. في يدكِ اليسرى كتاب، وفي يدكِ اليمنى قلمٌ تمنيتُ أنه أنا! تارةً تضعينه على شفتيكِ فأقول في عقلي: كان الله في عونه. وتارةً تخطينَ في الكتاب فأقول: عثرت العيون الحلوة على ضالتها! قبلكِ لم يجذبني في المكتبة إلا الكتب!
كلما ذُكر كأس الماء، فأنا ظامئٌ إليك. وكلما ذُكرت قطعة الحلوى، فأنا جائعٌ إليك. وفي سياق كتاب النحو، أنا مكسورٌ دونك. وفي ديوان الشعر، أنت وزني. وفي المعجم، أبحث عنك. وفي كتاب الجغرافيا، أنت عالمي. وفي قواعد الإملاء، أرجو منك ضمة. وفي نشرة الطقس، جوّي غائمٌ دونك. وفي نشرة الرياضة، أنا مهزومٌ دونك. وفي نشرة الاقتصاد، أنا مفلسٌ دونك. وفي النشرة العادية، في جوفي ألف قتيلٍ لا يحييهم سوى ابتسامتك. وفي سيرة النمل، أنت السكر. وفي سيرة الأسود، افترسني غيابك. وفي سيرة الجمال، فحياتي دونك صحراء قاحلة. وفي سياق الهداهد، هل من رسالةٍ منك؟ وعلى ذكر النفط، نضبتُ. وعلى ذكر الماء، جففتُ. وعلى ذكر الحرب، انهزمتُ. وختامًا على سيرة الاعتراف، اشتقتُ إليك.