ها قد حلَّ عيد الحبِّ إذن، فيا عيدي، ويا فجيعتي، ويا حبّي، ويا كراهيتي، ويا نسياني، ويا ذاكرتي، كلَّ عيدٍ وأنتَ كلُّ هذه المتناقضات.
للحبِّ عيدٌ إذن… يحتفي فيه المحبُّون والعشَّاق، ويتبادلون فيه البطاقاتَ والأشواق، فأين عيد النسيان يا سيّدتي؟ أولئك هم الذين أعدّوا لنا مسبقاً تقويماً بأعياد السنة، في بلدٍ يحتفل كلَّ يومٍ بقديسٍ جديدٍ على مدار العام، أفلا يوجد بين قديسيهم الثلاثمائة والخمسة والستين قديسٌ واحدٌ يصلح للنسيان؟ ما دام الفراق هو الوجه الآخر للحبِّ، والخيبة هي الوجه الآخر للعشق، فلماذا لا يكون هناك عيدٌ للنسيان، يضرب فيه سعاةُ البريد عن العمل، وتتوقف فيه الخطوطُ الهاتفية، وتُمنع فيه الإذاعاتُ من بثِّ الأغاني العاطفية، ونكفُّ فيه عن كتابة شعر الحبِّ! دعيني أُدهشكِ في عيد الحبِّ.
دعيني أسلك إليكِ السبل المتشعبة الألف، وأعشقكِ بالعواطف المتناقضة الألف، وأنساكِ وأذكركِ بتطرف النسيان والذاكرة، وأخضع لكِ وأتبرأ منكِ بتطرف الحرية والعبودية، بتناقض العشق والكراهية.
إن الحب لا يتقن التفكير العقلاني، والأخطر من ذلك أنه يفتقر إلى الذاكرة، فهو لا يستفيد من حماقاته السابقة، ولا يتعلم من تلك الخيبات المتتالية التي صاغت يوماً جرحه العميق.
لقد كان الحب في حال أفضل عندما كان الحمام الزاجل ساعي بريد يحمل رسائل العشاق، فكم من الأشواق اغتالتها وسائل الاتصال الحديثة وهي تقرّب المسافات! لقد نسي الناس تلك اللهفة العارمة التي كان العشاق ينتظرون بها وصول ساعي البريد، وأي حدث جلل أن يخط المرء كلمة ‘أحبك’ بيده، وأي سعادة وأي مجازفة أن يحتفظ المرء برسالة حب خطّتها يد الحبيب إلى آخر العمر.