حكمة
نص موثق
«

يقول الفقيه الأصولي الحنبلي نجم الدين سليمان الطوفي في شرحه لحديث “لا ضرر ولا ضرار”:

“ولا يُقال إن الشرع أعلم بمصالحهم -مصالح العباد- فلْتُؤخَذْ من أدلته، لأنا نقول: قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلْنُقدِّمْها في تحصيل المصالح. ثم إن هذا إنما يُقال في العبادات التي تخفى مصالحها عن مجاري العقول والعادات. أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم، فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدًا عن إفادتها، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها.”

»
يوسف القرضاوي العصر المملوكي (للطوفي)، العصر الحديث (للقرضاوي)

جوهر المقولة

يُقدّم الطوفي هنا رؤيةً أصوليةً عميقةً تُعلي من شأن المصلحة كدليل شرعي مستقل، بل وتُقدّمها في بعض الأحيان على الأدلة الأخرى، خاصةً في مجالات المعاملات والحقوق. يُفرّق الطوفي بين مصالح العبادات التي قد تخفى حكمتها على العقل البشري، ومصالح المعاملات التي يُدركها العقل وتُقرّها العادات السليمة.

فلسفيًا، يُشير هذا النص إلى أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد، وأن هذه المصالح ليست دائمًا حبيسة النصوص الصريحة، بل يمكن للعقل البشري والخبرة الإنسانية (العادة) أن يكونا مرجعًا في تحديدها، خاصةً عندما يكون النص الشرعي صامتًا أو غير مباشر. هذا الفهم يُعزّز مبدأ الاجتهاد والتجديد في الفقه، ويفتح آفاقًا واسعةً لتكييف الأحكام الشرعية مع مستجدات الحياة بما يُحقق العدل والنفع العام، مؤكدًا على أن مقاصد الشريعة هي جوهرها الذي يجب أن يُراعى.