جوهر المقولة
يبرز محمد عمارة هنا مبدأً تأسيسيًا للحكم الإسلامي: استقلال القضاء، الذي تأسس منذ نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. ويؤكد أن السلطة القضائية كانت متميزة ومتمكنة.
يكمن جوهر هذا الاستقلال في منهجية القاضي: الالتزام بالقرآن والسنة كمصادر أساسية، يليه الاجتهاد الشخصي عند غياب النص المباشر. وهذا "الاجتهاد" ليس مطلقًا بل يعمل ضمن الإطار الشامل للوحي الإلهي والبيان النبوي، مما يضمن الاستقلالية والالتزام بالمبادئ التأسيسية. ويُعد الحوار الشهير بين النبي محمد ومعاذ بن جبل مثالًا شرعيًا لهذا المبدأ. فهو يحدد بوضوح تسلسل المصادر القانونية – القرآن، والسنة، ثم الاجتهاد الشخصي (الرأي/الاجتهاد) – والأهم من ذلك، أن تأييد النبي لنهج معاذ يثبت دور التقدير المنطقي في الفقه الإسلامي.
فلسفيًا، تؤكد هذه المقولة على الطبيعة الديناميكية والمرنة للشريعة الإسلامية، موازنةً بين النصوص الإلهية الثابتة والجهد الفكري البشري. وتوضح كيف قدم الفكر الإسلامي المبكر إطارًا للاستدلال القانوني يمكنه معالجة الظروف المتغيرة مع البقاء متجذرًا في قيمه الأساسية، وبالتالي ضمان العدالة والمرونة ضمن نظام موجه إلهيًا.