حكمة
نص موثق
«

ما بالُنا ألفنا الخضوعَ للكبيرِ وإن وطِئَ رقابَنا! ألفنا ثباتَ الأوتادِ تحتَ المطارقِ! ألفنا الانقيادَ وإن قادَ إلى المهالكِ! ألفنا اعتبارَ التصاغرِ أدبًا رفيعًا! والتذللَ لطفًا جميلاً! والتملقَ فصاحةً بليغةً! واللكنةَ رزانةً وحكمةً! وتركَ الحقوقِ سماحةً وعفوًا! وقبولَ الإهانةِ تواضعًا محمودًا! والرضا بالظلمِ طاعةً واجبةً! ودعوى الاستحقاقِ غرورًا مذمومًا! والبحثَ عن العمومياتِ فضولًا لا طائلَ منهُ! ومدَّ النظرِ إلى الغدِ أملًا طويلاً مبالغًا فيهِ! والإقدامَ تهورًا لا يُحمدُ عقباهُ! والحميةَ حماقةً لا تُغتفرُ! والشهامةَ شراسةً تُذمُّ! وحريةَ القولِ وقاحةً تُستنكرُ! وحريةَ الفكرِ كفرًا يُحاربُ! وحبَّ الوطنِ جنونًا يُعابُ!

»
عبد الرحمن الكواكبي عصر النهضة العربية

جوهر المقولة

تُعد هذه المقولة للكواكبي نقدًا لاذعًا للحالة الاجتماعية والنفسية التي تدفع الأفراد والمجتمعات إلى قبول القهر والظلم. يعدد الكواكبي سلسلة من القيم والمفاهيم التي انقلبت رأسًا على عقب، حيث أصبحت الصفات السلبية تُمدح وتُعظم، بينما تُذم وتُحارب الصفات الإيجابية.

إنها تعكس تآكل الكرامة واحترام الذات والشجاعة في المطالبة بالحقوق، مستبدلة بثقافة من الخضوع والتملق والخوف. يشير الكواكبي إلى أن هذا الانقلاب في القيم يؤدي إلى مجتمع يقبل الإهانة تواضعًا، والظلم طاعةً، ويُدِين كل محاولة للتحرر أو المطالبة بالحقوق كغرور أو تهور أو حتى كفر، مما يرسخ الاستبداد ويُعمق حالة الانحطاط.