حكمة
نص موثق
«

ما رأيتُ يقينًا لا شك فيه أشبه بشكٍ لا يقين فيه إلا الموت.

»
الحسن البصرى العصر الأموي

جوهر المقولة

هذه المقولة الفلسفية للحسن البصري تُعد من أعمق ما قيل في طبيعة اليقين والشك، وتستخدم الموت كمثال فريد يجمع بين النقيضين.

يبدأ القائل بالبحث عن "يقين لا شك فيه"، وهو اليقين المطلق الذي لا يتطرق إليه أي ريب أو ظن. في عالمنا البشري، غالبًا ما تكون الحقائق نسبية، واليقين التام أمر نادر المنال في معظم الأمور.

ثم يأتي التشبيه المدهش: "أشبه بشك لا يقين فيه". هنا يربط البصري بين أعلى درجات اليقين وأقصى درجات الشك، وكأن الطرفين المتناقضين يلتقيان في نقطة ما من المطلقية أو الغموض الذي يتجاوز الإدراك البشري العادي. الشك الذي لا يقين فيه هو حالة من الحيرة المطلقة، حيث لا يمكن التوصل إلى أي حقيقة ثابتة.

ويأتي "إلا الموت" ليكون هو الاستثناء الوحيد الذي يجسد هذا التناقض الظاهري. فالموت هو "يقين لا شك فيه"؛ لا يوجد إنسان على وجه الأرض يشك في أن الموت سيأتيه في يوم من الأيام، فهو حقيقة كونية لا مفر منها، ومصير حتمي لكل كائن حي. هذا جانب اليقين المطلق.

وفي الوقت نفسه، الموت هو "شك لا يقين فيه" من جوانب أخرى؛ فما بعد الموت، وكيفيته، وزمانه، وتفاصيله، وما يؤول إليه الإنسان في القبر والآخرة، كلها أمور غيبية محاطة بالغموض والجهل البشري. هذا الجانب يمثل الشك المطلق أو الغيب الذي لا يمكن للعقل البشري إدراكه بيقين تام إلا من خلال الوحي.

تُحفز هذه المقولة على التأمل الوجودي في الحياة والمصير، وتدعو إلى إدراك حدود المعرفة البشرية أمام الحقائق الكبرى، وتُبرز الموت كحدث محوري يجمع بين أقصى درجات اليقين والغموض، مما يدفع الإنسان للتفكر في معنى وجوده والاستعداد لما هو آت.