جوهر المقولة
يُبرز هذا الحديث الشريف بوضوح شديد مدى ضآلة قيمة الدنيا في ميزان الله تعالى. فجناح البعوضة يُعد من أحقر الأشياء وأقلها وزناً وقيمة في نظر البشر، فكيف بها في نظر الخالق العظيم؟
إن هذا التشبيه يدل على أن الدنيا بكل ما فيها من زينة ومتاع لا تزن عند الله شيئاً يذكر، حتى أنها لا تبلغ قيمة جناح بعوضة. ولو كان لها أدنى قيمة أو وزن، لما سمح الله للكافر الذي يجحد نعمه ويُعرض عن آياته بأن يتمتع بأي من خيراتها، ولو كان ذلك مجرد شربة ماء تسد رمقه.
فالحقيقة أن الله يسقي الكافر ويرزقه في الدنيا، ويُمهله ويُعطيه من متاعها، لا لأن الدنيا ذات قيمة عنده، بل لأنها دار ابتلاء واختبار، ولأن عطاءه فيها ليس دليلاً على محبته أو رضاه، بل هو استدراج وإمهال. أما الآخرة فهي دار الجزاء الحقيقي، حيث يُجازى كل عامل بما عمل، وتظهر فيها القيمة الحقيقية للإيمان والعمل الصالح.
فلسفياً، يدعو الحديث إلى عدم الاغترار بمتاع الدنيا الزائل، وعدم الحسد على ما أُوتي الكفار منها، لأنها لا تساوي شيئاً في الميزان الإلهي. وهو يحث المؤمن على التركيز على ما له قيمة باقية عند الله، وهو الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فذلك هو الربح الحقيقي.