جوهر المقولة
يُقدم الأرجاني في هذه الأبيات رؤية فلسفية عميقة حول طبيعة النصيحة ومن يُقدمها ومن يستحق الاستماع إليه. يُشير الشاعر إلى تعقيد عملية النصح، فهي ليست مجرد فعل بسيط بل تتطلب توافر شروط معينة في الناصح وفي النصيحة نفسها.
البيت الأول "فما كلُّ ذي نُصحٍ بمُؤتيكَ نُصْحَهُ" يُفيد بأن ليس كل من يملك الحكمة أو القدرة على تقديم النصيحة سيقدمها لك بالفعل. قد يكون لديه العلم والرأي الصائب، لكنه قد يمتنع عن النصح لأسباب مختلفة كالكبرياء، أو عدم الاهتمام، أو عدم رؤية المنصوح أهلًا لذلك، أو حتى خشية سوء الفهم.
البيت الثاني "ولا كلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بلبيبٍ" يُكمل الفكرة بأن ليس كل من يُقدم النصيحة هو بالضرورة حكيم أو ذو بصيرة. فكثيرون يُقدمون النصائح بدافع حسن النية، لكنها قد تكون غير مدروسة، أو لا تتناسب مع ظروف المنصوح، أو تُقدم بأسلوب غير حكيم، مما يجعلها عديمة الفائدة أو حتى ضارة.
البيت الثالث "ولكنْ إذا ما استَجْمَعَا عندَ واحدٍ، فحقَّ له من طاعةٍ بنصيبٍ" يُلخص جوهر الحكمة. فإذا اجتمعت الصفتان النادرتان في شخص واحد: الرغبة الصادقة في تقديم النصح (الذي نصح) مع الحكمة والبصيرة في تقديمه (اللبيب)، فحينئذٍ يستحق هذا الشخص أن يُطاع ويُتبع رأيه. هذه المقولة تُعلي من شأن الجمع بين العلم والعمل، وبين النية الحسنة والقدرة على تطبيقها بحكمة، وتُشير إلى ندرة هذه الصفات مجتمعة في فرد واحد.