حكمة
نص موثق
«

فلماذا نقبل قوانين الله الكونية ولا نقبل قوانينه الشرعية؟! لماذا نقبل سنن الله في خلقه ونرفض سننه في أمره، وهو في كلا الحالتين: العليم الذي لا يجهل، والحكيم الذي لا يعبث، والحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟!

»

جوهر المقولة

يطرح القرضاوي في هذه المقولة سؤالًا فلسفيًا وعقائديًا عميقًا يُلامس جوهر الإيمان والتسليم لله. يُشير إلى تناقض يُلاحظ في سلوك بعض البشر، حيث يُسلمون لقوانين الله الكونية التي تحكم الكون والطبيعة دون اعتراض، ويُدركون حتميتها وشموليتها، مثل قوانين الجاذبية أو تعاقب الليل والنهار. هذه القوانين تُعد جزءًا لا يتجزأ من النظام الكوني الذي لا يملكون حيالها إلا التسليم والخضوع.

في المقابل، يُلاحظ أن البعض يُظهر مقاومة أو رفضًا لقوانين الله الشرعية وأوامره الدينية التي تُنظم حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقه. يُعد هذا التناقض إشكالية، إذ أن مصدر كلتا المجموعتين من القوانين واحد، وهو الله سبحانه وتعالى. يُعزز القرضاوي حجته بذكر صفات الله العليا: 'العليم الذي لا يجهل'، مما يعني أن كل ما يُشرعه الله مبني على علم مطلق بما يُصلح البشر؛ و'الحكيم الذي لا يعبث'، مما يؤكد أن أوامره ليست عشوائية أو بلا غاية، بل هي مُحكمة ومُتقنة لتحقيق الخير والصلاح؛ و'الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم'، مما يُشير إلى كمال قدرته واستمرارية تدبيره لشؤون الخلق والأمر.

الهدف من هذا التساؤل هو دعوة المسلم إلى التفكير المتسق والشمولي في إيمانه، وإلى التسليم الكامل لله في كل ما يُشرعه ويُقدره، سواء كان ذلك في عالم الطبيعة أو في عالم التكليف والعبادة. فمن يُسلم لقوانين الكون، ينبغي له أن يُسلم لقوانين الشرع، لأن مصدرهما واحد، وكليهما يهدف إلى تحقيق نظام متكامل وكمال في الوجود.