حكمة
نص موثق
«

سَلي الجائعَ الظمآنَ، يا أمَّ منذرٍ، إذا ما أتانِي وهو بينَ نارِ الجوعِ والعطشِ ومَجزري المُعدِّ للذبائحِ. هل أُقابِلُه بوجهٍ بشوشٍ مُرحِّبٍ، فذلكَ أولُ أشكالِ الضيافةِ والعطاءِ؟ وهل أُقدِّمُ له معروفي وجُودي دونَ تردُّدٍ أو منٍّ؟

»
حاتم الطائي العصر الجاهلي

جوهر المقولة

يخاطب حاتم الطائي زوجته أم منذر بأسلوب استفهامي بلاغي، ليسأل عن أمر معلوم لديه ولها، وهو كرمه الذي لا يتزعزع. يبدأ بوصف الضيف بأنه "الجائع الغرثان" (العطشان)، مما يؤكد شدة حاجته وضرورة إغاثته. ويصف حاله هو بأنه بين "ناري ومجزري"، أي بين نار الطهي ومكان الذبح، في إشارة إلى استعداده التام لتقديم الطعام والشراب.

السؤال الأول "هل أبسط وجهي إنه أول القرى؟" يؤكد على الأهمية القصوى لبشاشة الوجه والترحاب الصادق كأول وأهم أشكال الضيافة. فقبل تقديم الطعام والشراب، يأتي الترحيب بالضيف وإشعاره بالأمان والتقدير. هذا يعكس فهمًا عميقًا للكرم الذي يتجاوز المادة إلى الروح، ويجعل من الابتسامة والكلمة الطيبة أساسًا لكل عطاء.

أما السؤال الثاني "وأبذل معروفي له دون منكري؟" فيشدد على فكرة العطاء بلا منٍّ أو تردد. فالمعروف الحقيقي هو ما يُقدم بنفس راضية، دون انتظار شكر أو ثناء، ودون تذكير الضيف بفضله. هذا يعكس قمة الجود والسخاء، حيث يصبح العطاء جزءًا لا يتجزأ من طبيعة الكريم، ينبع منه بتلقائية وصدق. المقولة تجسد جوهر الكرم العربي الأصيل في أسمى صوره، حيث تتجلى فيه الرحمة والتواضع والبذل غير المشروط.