روحانية، عبادة، تصوف، أخلاق
نص موثق
«

تخيّلْ، من بين مليارات البشر، فئةً معينةً – محدودةً جدًا في زماننا هذا – يُحبّ الله إيقاظها فجر كل يوم لتتجه إليه وتُصلي له. إنه موعدٌ سريٌّ يكاد يُضاهي مواعيد العشاق الليلية؛ فكما يتسلل العشاق سرًا إلى لقاءاتهم، يتسلل هؤلاء أيضًا بهدوء، يمشون في ظلماتٍ ستشهد لهم فيما بعد، ونورهم يسعى بين أيديهم، يذهبون إليه في رحلةٍ قد تكون بعيدة. فمن بين الملايين الذين قد يكونون في تلك اللحظة ثملين مخمورين، ومن بين الملايين الغارقين في شهوةٍ ما، ومن بين الملايين الغاطّين في سباتٍ عميق وغفلةٍ هي جوهر حياتهم كلها، يختار الله فئةً معينةً محدودة. وفي تلك الظلمة التي سيتخبّط بها البشر في اليوم الرهيب، سيتلقّى أولئك الذين مشوا إليه في الظلمات ما وُعِدوا به: النور التام يوم القيامة. إنهم تلك النخبة الموفقة، أولئك الذين يُحبّ الله سبحانه وتعالى إيقاظهم.

»

جوهر المقولة

تُصوّر هذه المقولة رؤيةً عميقةً لاختيار إلهي خاص، حيث يُبرز الكاتب فئةً من البشر، وإن كانت قليلة العدد، تحظى بعناية إلهية فريدة تتمثل في توفيقها للقيام في جوف الليل أو عند الفجر لأداء الصلاة. إنها دعوةٌ إلى التأمل في قيمة العبادة الخفية والاتصال الروحي الذي يتجاوز المظاهر السطحية للحياة.

يُشبه الكاتب هذا اللقاء الإلهي بمواعيد العشاق السرية، مُضفيًا عليه طابعًا من الشوق والحميمية والخصوصية، ويُبرز التناقض بين حال هذه الفئة المستيقظة الذاكرة لله، وحال الغالبية الغارقة في غفلة الدنيا وشهواتها أو سباتها العميق. ويُؤكد على أن هذا السعي في الظلمات، وهذا الجهد الخفي، سيُكافأ بنورٍ تامٍ يوم القيامة، في إشارةٍ إلى جزاء الصالحين الذين آثروا طاعة ربهم على راحة أجسادهم وملذات دنياهم، فهم النخبة التي اصطفاها الله لفضله.