حكمة
نص موثق
«

بالشكر والامتنان تدوم النعم وتتزايد، وبالإخلاص في العمل والنية تبقى الأمم وتزدهر، أما بالمعاصي والآثام فإنها تبيد وتهلك وتندثر.

»
علي الطنطاوي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة لعلي الطنطاوي رؤية فلسفية شاملة ومكثفة حول أسس الازدهار والبقاء على المستويين الفردي والجمعي، محذرة من مغبة الانحراف عن هذه الأسس.

تبدأ المقولة بمبدأ "بالشكر تدوم النعم". هذا ليس مجرد قول، بل هو قانون كوني وأخلاقي. فالشكر والامتنان لما أنعم الله به على الإنسان يُعدّ اعترافًا بالفضل، ويُولد شعورًا بالرضا والقناعة، ويُحفز على استخدام النعم فيما يُرضي المنعم، مما يؤدي إلى حفظها وزيادتها. فلسفيًا، الشكر يمثل حالة من التناغم بين الإنسان ومحيطه، ويُبعد عنه الجحود الذي قد يؤدي إلى زوال النعم.

ثم تنتقل إلى المستوى المجتمعي بقوله: "وبالإخلاص تبقى الأمم". الإخلاص هنا يعني الصدق في النوايا والأفعال، والتفاني في العمل، والنزاهة في التعاملات. عندما يسود الإخلاص في الأفراد والمؤسسات، تُبنى الثقة، وتتضافر الجهود، وتُحقق الأهداف المشتركة بفعالية. هذا الإخلاص هو الركيزة التي تُبنى عليها الحضارات، ويُمكن الأمم من الصمود أمام التحديات، والتطور والازدهار. غياب الإخلاص يؤدي إلى الفساد، وتفكك الروابط الاجتماعية، وانهيار البنى التحتية للمجتمع.

وتُختتم المقولة بالتحذير الشديد: "وبالمعاصي تبيد وتهلك". تُشير المعاصي إلى الانحراف عن الفطرة السليمة، ومخالفة الشرائع السماوية، والاعتداء على حقوق الآخرين، والفساد بأنواعه. هذه المعاصي، سواء كانت فردية أو جماعية، تُحدث خللًا في النظام الاجتماعي والكوني. فلسفيًا، هي تُفسد النفوس، وتُضعف الوازع الأخلاقي، وتُشيع الظلم والفوضى، مما يؤدي حتمًا إلى ضعف الأمم وتدهورها، ومن ثم زوالها واندثارها. إنها تُبرز فكرة أن البقاء والازدهار ليسا مجرد نتيجة للقوة المادية، بل هما نتاج للالتزام بالقيم الأخلاقية والروحية التي تُشكل جوهر الحضارة الإنسانية.