الحائطُ أبعدُ مما ينبغي
»جوهر المقولة
تُقدّمُ هذه القصيدةُ النثريةُ صورةً مؤلمةً للوحدةِ والاغترابِ والقلقِ الوجوديِّ في العصرِ الحديثِ. تبدأُ بفكرةِ غيابِ الدعمِ والسندِ: "الحائطُ أبعدُ مما ينبغي / وليس هناكَ ما أتكئُ عليهِ"، وهي استعارةٌ لغيابِ الملاذِ الآمنِ أو الشخصِ الذي يُمكنُ الاعتمادُ عليه في لحظاتِ الضعفِ.
تنتقلُ الصورةُ إلى تجربةِ السقوطِ، ليس سقوطًا دراميًا، بل "سقوطٌ عاديٌّ"، وهو ما يجعله أكثرَ إيلامًا. هذا السقوطُ يُصاحبُه "ارتطامٌ بحوافٍّ / غيّرتْ أماكنَها في العتمةِ"، ممّا يُشيرُ إلى أنَّ الألمَ يأتي من مصادرَ غيرِ متوقعةٍ، وأنَّ الحياةَ تُخفي عقباتٍ غيرَ مرئيةٍ، أو أنَّ ما كانَ مألوفًا قد أصبحَ غريبًا ومؤذيًا في غيابِ الضوءِ.
ثم يأتي الجزءُ الأكثرُ إيلامًا: "كما أنَّ البلاطَ / -الذي كثيرًا ما نظّفتُهُ من ترابِ أحذيتِهم- / لم يكنْ رحيمًا". هنا تُبرزُ الشاعرةُ مفارقةً قاسيةً؛ فالبلاطُ الذي بذلتْ جهدًا في رعايتِه وتنظيفِه لراحةِ الآخرين، لم يُقدّمْ لها أيَّ رحمةٍ أو لينٍ عندَ سقوطِها. هذه الصورةُ تُجسّدُ الإحساسَ بالخذلانِ وعدمِ التقديرِ، وتُشيرُ إلى عبءِ العطاءِ غيرِ المتبادلِ، حيثُ تُقدّمُ الذاتُ الكثيرَ ولا تجدُ مقابلاً له عندَ حاجتِها.
تُختتمُ القصيدةُ بسؤالٍ وجوديٍّ مُفجعٍ: "كيفَ أسمحُ لنفسي / أن أكونَ وحيدةً قبلَ الثلاثين؟". هذا السؤالُ ليس مجردَ تعبيرٍ عن الوحدةِ، بل هو صرخةٌ ضدَّ واقعٍ غيرِ مقبولٍ، وضدَّ شعورٍ بالتقصيرِ أو الفشلِ في تحقيقِ الاتصالِ البشريِّ قبلَ بلوغِ مرحلةٍ عمريةٍ تُعدُّ مبكرةً للوحدةِ المطلقةِ. إنَّه يُسلّطُ الضوءَ على الضغوطِ الاجتماعيةِ والشخصيةِ المتعلقةِ بالارتباطِ، وعلى الألمِ العميقِ الذي يُصاحبُ الشعورَ بالعزلةِ في عالمٍ يتوقعُ الترابطَ.