حكمة
نص موثق
«

الثورة الفرنسية التي يَتَغَنَّوْنَ بِأَمْجَادِهَا، هي ذاتها التي قَتَلَتْ وَأَحْرَقَتْ وَأَعْدَمَتْ بِالتَّخْوِيزِ فِي مِصْرَ فِي سَنَوَاتِهَا الْأُولَى، لَا كَمَا يُحَلِّلُ الْمَارْكِسِيُّونَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ بَعْدَ تَحَوُّلِهَا إِلَى الِاسْتِعْمَارِ. ثُوَّارُ بَارِيسَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ خَلْفِ الْمَتَارِيسِ بَعْدَ إِسْقَاطِ شَارْلَ الْعَاشِرِ، هُمْ أَنْفُسُهُمْ مَنْ ذَهَبُوا إِلَى الْجَزَائِرِ فَفَتَكُوا بِأَهْلِهَا. إِنَّ الْحَضَارَةَ الْغَرْبِيَّةَ لَا تَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْأَجْنَاسَ الْأُخْرَى بَشَرٌ مِثْلُهُمْ.

»
محمد جلال كشك القرن العشرون، الفكر العربي المعاصر

جوهر المقولة

تُقَدِّمُ هَذِهِ الْمَقُولَةُ نَقْدًا لَاذِعًا وَتَحْلِيلًا مُغَايِرًا لِلسَّرْدِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ الرَّائِجَةِ لِلْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّوْرَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ. يُشِيرُ الْمُؤَلِّفُ إِلَى أَنَّ الْمَبَادِئَ الْعُلْيَا لِلْحُرِّيَّةِ وَالْإِخَاءِ الَّتِي تَتَبَاهَى بِهَا الثَّوْرَةُ، لَمْ تَكُنْ مُطَبَّقَةً عَلَى الْأَجْنَاسِ الْأُخْرَى، بَلْ كَانَتْ مُصَاحَبَةً بِأَعْمَالِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالتَّعْذِيبِ مُنْذُ بِدَايَاتِهَا فِي مِصْرَ.

يَرْفُضُ كَشْك التَّفْسِيرَ الْمَارْكِسِيَّ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الثَّوْرَةِ وَالِاسْتِعْمَارِ زَمَنِيًّا، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْوَحْشِيَّةَ الِاسْتِعْمَارِيَّةَ كَانَتْ مُتَأَصِّلَةً فِي جَوْهَرِ الْفِكْرِ الثَّوْرِيِّ الْغَرْبِيِّ. وَيُعَزِّزُ ذَلِكَ بِرَبْطِ ثُوَّارِ بَارِيسَ الَّذِينَ نَادَوْا بِالْحُرِّيَّةِ فِي بِلَادِهِمْ، بِالْقُوَّاتِ الَّتِي ارْتَكَبَتِ الْمَجَازِرَ فِي الْجَزَائِرِ. تَتَوِّجُ الْمَقُولَةُ بِاسْتِنْتَاجٍ فَلْسَفِيٍّ مُفَادُهُ أَنَّ الْحَضَارَةَ الْغَرْبِيَّةَ تَتَّسِمُ بِعَدَمِ الِاعْتِرَافِ بِإِنْسَانِيَّةِ الْآخَرِ، وَهَذَا النَّقْصُ الْأَخْلَاقِيُّ هُوَ مَا سَمَحَ بِالِاسْتِعْمَارِ وَالِاضْطِهَادِ.