جوهر المقولة
يقدم علي عزت بيجوفيتش في هذه المقولة تعريفًا فلسفيًا عميقًا ومفصلاً للفرق الجوهري بين "الثقافة" و"الحضارة". يبدأ بتحديد الثقافة كعملية داخلية تتصل بالجانب الروحي والذاتي للإنسان، سواء كان ذلك بتأثير الدين الذي يشكل وعيه وقيمه، أو بتأثيره هو على ذاته من خلال التأمل والتطور الشخصي.
في المقابل، يضع الحضارة في سياق خارجي ومادي بحت، حيث يراها نتاجًا لتفاعل الذكاء البشري مع الطبيعة والعالم الخارجي بهدف السيطرة عليه وتشكيله. الحضارة، في هذا السياق، هي فن العمل والإنتاج والتحكم في البيئة، وتتجلى في صناعة الأشياء المادية الدقيقة التي تغير وجه العالم المحيط.
يواصل بيجوفيتش تعميق هذا التمييز بالإشارة إلى أن الثقافة هي "الخلق المستمر للذات"، أي عملية بناء وتطوير للإنسانية في جوهرها، بينما الحضارة هي "التغيير المستمر للعالم"، أي تحويل البيئة المادية. ويختتم بتلخيص هذا التضاد الجذري بين "الإنسان والشيء"، وبين "الإنسانية والشيئية"، مؤكدًا أن الثقافة تُعنى بما يجعل الإنسان إنسانًا، في حين تُعنى الحضارة بما يصنعه الإنسان ويتحكم فيه من أشياء.