حكمة
نص موثق
«

إن الإنسان هو الكائن الأوحد الذي يمتلك القدرة على السمو فوق ذاته أو الانحدار دونها، بخلاف الملائكة التي لا تملك سوى أن تكون ملائكة، والحيوانات التي لا تملك سوى أن تظل حيوانات. أما الإنسان، فبمقدوره أن يرتقي إلى مصاف النجوم أو أن ينغمس في دركات الوحل.

»

جوهر المقولة

تُبرز هذه المقولة جوهر الفلسفة الإنسانية التي تُعلي من شأن الاختيار والحرية والمسؤولية الذاتية. إنها تُشير إلى أن الإنسان ليس مجرد كائن بيولوجي أو كائن مُسيّر بغرائزه، بل هو كائن مُفكر وواعٍ، يمتلك قدرة فريدة على تجاوز حالته الراهنة، سواء بالارتقاء نحو الكمال الروحي والأخلاقي، أو بالانحدار إلى دركات الانحطاط والفساد.

هذا التمييز بين الإنسان وسائر الكائنات يُسلط الضوء على مفهوم "التكليف" و"الأمانة" في الفكر الديني والفلسفي. فالملائكة مُجبرة على الطاعة والعبادة، والحيوانات مُسيّرة بغرائزها الطبيعية دون حرية اختيار حقيقية. أما الإنسان، فقد مُنح العقل والإرادة، مما يجعله مسؤولًا عن أفعاله وخياراته. هذه المسؤولية تُلقي على عاتقه عبئًا عظيمًا، ولكنه في الوقت ذاته تُمنحه كرامة لا تُضاهى.

إن قدرة الإنسان على "الارتفاع على ذاته" تعني قدرته على تجاوز أنانيته، وغرائزه الدنيا، ومصالحه الضيقة، ليتجه نحو القيم السامية كالحب والعدل والإحسان والعلم. بينما "الهوي دونها" يعني الاستسلام للشهوات، والوقوع في براثن الشر، والتخلي عن المبادئ الأخلاقية، مما يُفقده إنسانيته ويُحوله إلى كائن أقرب إلى الحيوانية، بل قد يكون أسوأ منها لأنه يختار الانحدار بوعي وإرادة. هذه المقولة دعوة للتأمل في جوهر الوجود الإنساني وفي المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق كل فرد في تحديد مساره الوجودي.