جوهر المقولة
يُعد هذا الحديث النبوي تحذيراً بليغاً وتصويراً دقيقاً لحال البشرية كلما دنا أجل الدنيا واقتربت الساعة. فالمقدمة "اقتربت الساعة" تُشير إلى قرب نهاية الزمان، وهي فترة تتسم عادةً بظهور الفتن وتغير الأحوال.
والملاحظة المحورية في الحديث هي التناقض الصارخ: فمع اقتراب النهاية، بدلاً من أن يتجه الناس بقلوبهم وأعمالهم نحو الآخرة والاستعداد لها، يزدادون تعلقاً بالدنيا وحرصاً عليها. هذا الحرص المفرط على الدنيا، وجمع حطامها، والانغماس في شهواتها، يُصبح هو الشغل الشاغل للناس.
وهذا التعلق المتزايد بالدنيا يؤدي حتماً إلى نتيجة أخرى خطيرة، وهي "لا يزدادون من الله إلا بُعداً". فكلما ازداد تعلق القلب بالدنيا، انصرف عن ذكر الله وطاعته، وقلّ اهتمامه بالقيم الروحية والأخلاقية، وتراخت عزيمته في العمل الصالح. هذا البعد ليس بعداً مكانياً، بل هو بعد روحي ومعنوي، يتمثل في الغفلة عن الله، وترك أوامره، وارتكاب نواهيه.
فلسفياً، يُسلط الحديث الضوء على آفة من آفات النفس البشرية، وهي الميل إلى العاجل ونسيان الآجل، والانشغال بالفاني عن الباقي. وهو دعوة قوية للتأمل في الأولويات، ومراجعة المسار، والتحرر من سجن الشهوات الدنيوية، والعودة إلى الله والتزود للآخرة قبل فوات الأوان. إنه نداء إلى اليقظة الروحية في زمن الغفلة.