جوهر المقولة
هذه المقولة المأثورة عن الإمام جعفر الصادق تتجاوز المفهوم الظاهري للصيام عن الطعام والشراب، لترتقي به إلى مستوى أعمق وأشمل، وهو صيام الجوارح. إنها دعوة إلى صيام كلي وشامل، يتجاوز الجسد ليطال الروح والعقل والسلوك.
إن الصيام الحقيقي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد امتناع مادي، بل هو تهذيب للنفس وتزكية للروح من خلال ضبط الحواس. فـ "صيام السمع" يعني الامتناع عن استماع الغيبة والنميمة والباطل وكل ما يفسد القلب ويشوش الفكر. هو دعوة للانتقائية في ما ندخل إلى وعينا، واختيار ما يرتقي بالروح ويثري العقل.
أما "صيام البصر" فيدل على غض البصر عن المحرمات، وعن عيوب الناس، وعن كل ما يثير الشهوات أو يحرك الضغائن. إنه تمرين على الرؤية الواعية الهادفة، التي ترى الجمال والحق، وتتجنب كل ما يشين ويغوي.
و"صيام اللسان" هو الأشد ضرورة، ويعني كف اللسان عن الكذب، والبهتان، والغيبة، والنميمة، والسباب، وكل قول فاحش أو جارح. هو دعوة للتفكر قبل النطق، ولوزن الكلمات بميزان الحكمة والصدق.
في جوهرها، هذه المقولة تربية للنفس على التقوى والورع، وتدريب على السيطرة على الأهواء والشهوات، لتتحقق بذلك الغاية الأسمى من الصيام، وهي تزكية النفس والارتقاء بها إلى مراتب الكمال الإنساني.