حكمة
نص موثق
«

إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين، بسبب خلق التوحش المتأصل فيهم. وهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم.

»
ابن خلدون العصور الوسطى

جوهر المقولة

هذه المقولة هي استكمال وتحليل أعمق لخصائص العرب كما رآها ابن خلدون. يبدأ بالإشارة إلى أن الملك والسلطة لا تستقر فيهم إلا إذا كانت مرتبطة بوازع ديني قوي، سواء كان ذلك بصيغة دينية مباشرة (مثل الخلافة النبوية)، أو ولاية (حكم يقوم على شرعية دينية)، أو أثر عظيم من الدين (تأثير الدين في توحيد الكلمة). والسبب في ذلك، كما يرى، هو "خلق التوحش المتأصل فيهم". التوحش هنا لا يعني الهمجية بالضرورة، بل يشير إلى طبيعة البداوة التي تتسم بالاستقلال الذاتي الشديد، والبعد عن الخضوع لسلطة مركزية، والنزوع إلى الغزو والنهب.

الجزء الثاني من المقولة يوضح سبب هذا التوحش وصعوبة تجمعهم تحت راية واحدة. يصفهم بأنهم "أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض" ويعزو ذلك إلى عدة عوامل: "الغلظة" (الشدة والفظاظة في التعامل)، و"الأنفة" (الاعتزاز بالنفس ورفض الخضوع)، و"بعد الهمة" (الطموح العالي والرغبة في السيادة)، و"المنافسة في الرئاسة" (التنافس الشديد على الزعامة والقيادة). هذه الصفات مجتمعة تؤدي إلى تشتت أهوائهم وصعوبة اتفاقهم على قائد واحد، مما يجعل قيام دولة مستقرة وموحدة أمراً بالغ الصعوبة دون تدخل عامل خارجي قوي وموحد، كالدين الذي يستطيع أن يسمو فوق هذه النزاعات الفردية ويجمع القلوب ويوجه الطاقات نحو هدف مشترك.