حكمة
نص موثق
«

أَجتَنِبْ مُصَاحَبَةَ السَّفِيهِ وَمُجَاوَرَتَهُ، فَإِنَّهَا تُورِثُ النَّدَمَ وَتُحَمِّلُكَ عِبْئًا وَخِيمَ العَاقِبَةِ. فَإِنْ سَايَرْتَ السَّفِيهَ فِي سُوءِ فِعْلِهِ، صِرْتُمَا مَذْمُومَيْنِ كِلَاكُمَا. وَإِنْ لُمْتَهُ وَعَاتَبْتَهُ عَلَى مِثْلِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ حَمَاقَةٍ، فَأَنْتَ بِذَلِكَ ظَالِمٌ لِنَفْسِكَ وَلَهُ؛ إِذْ لَا يُرْجَى مِنْهُ صَلَاحٌ.

»
أبو الأسود الدؤلي العصر الأموي

جوهر المقولة

تُعَدُّ هذه المقولة دعوةً فلسفيةً عميقةً إلى اجتناب مخالطة الجهلاء والسفهاء، وتحذيرًا من مغبة الانسياق وراء أفعالهم أو حتى محاولة إصلاحهم بأساليب غير مجدية. فالنصيحة الأولى تكمن في البُعد عنهم؛ لأنَّ مجاورتهم لا تجلب سوى الندم والأعباء الثقيلة التي تُفسد على المرء حياته وسمعته. إنَّ السفيه بطبعه لا يدرك عواقب أفعاله، ومصاحبته تعني الانحدار إلى مستواه.

ثم ينتقل الشاعر إلى التحذير من مسايرة السفيه في سلوكه المنحرف. فإذا ما انجرَّ المرءُ وراءَ السفيه وقلَّده في أقواله أو أفعاله، فإنه بذلك يُنزِل بنفسه إلى مستوى السفيه، ويُصبح كلاهما مستحقًا للذم واللوم من العقلاء. هنا تبرز فكرة أنَّ المرء يُعرَف بقرينه، وأنَّ مخالطة السيئين تُفسد الطباع وتُشوِّه الصورة.

أما الشق الأخير من المقولة، فيحمل دلالةً أعمق وأكثر حكمةً، وهي أنَّ محاولة عتاب السفيه أو لومه على ما يأتيه من حماقات هو ضرب من الظلم للنفس وللسفيه على حد سواء. ظلم للنفس لأنَّها تُرهِق ذاتها في محاولة إصلاح من لا يُرجى منه صلاح، وظلم للسفيه لأنه لا يملك من العقل ما يُمكِّنه من فهم العتاب أو الاستفادة منه. إنَّ السفيه في طبيعته لا يدرك المنطق، ومحاورته تُعدُّ إضاعة للوقت والجهد، بل قد تُثير فيه المزيد من العمى والجهل. لذا، فالحكمة تقتضي الإعراض عنهم وتركهم لشأنهم، فليس كلُّ داءٍ له دواء، وليس كلُّ جاهلٍ يقبل التعلُّم.