جوهر المقولة
يُبرز أبو الحسن الشاذلي في هذه المقولة قيمة الحكمة كجوهر للرشاد، ويضع شرطًا أساسيًا للانتفاع بها. فالحكمة، وهي القدرة على إدراك الحقائق والتمييز بين الصواب والخطأ، واتخاذ القرارات السديدة، لا يمكن أن تستقر أو تؤتي ثمارها في نفسٍ يسيطر عليها الهوى والشهوات.
المقصود بـ "مغلوب بالشهوات" هنا ليس مجرد الوقوع في الخطأ أو الزلل، بل هو الاستسلام التام لسلطان الرغبات الجسدية والنفسية، بحيث تصبح هي المحرك الأساسي للأفعال والأفكار، وتطغى على صوت العقل والضمير. عندما تكون الشهوات هي القائد، فإنها تحجب البصيرة وتُعمي القلب عن رؤية الحقائق المجردة، وتُفسد القدرة على التفكير المنطقي السليم.
لذلك، يرى الشاذلي أن الحكمة لا يمكن أن تجد لها مكانًا في مثل هذه النفس، أو على الأقل، لن يتمكن صاحبها من الانتفاع بها حق الانتفاع. فالحكمة تتطلب صفاءً ذهنيًا، وتجردًا من الأهواء، وقدرة على الترفع عن الملذات العاجلة في سبيل المصالح الآجلة. إنها دعوة إلى تزكية النفس وتهذيبها، وتحرير العقل من أسر الشهوات، لكي يصبح مؤهلاً لاستقبال نور الحكمة والاستفادة من هدايتها في مسيرة الحياة.