حضارة وتاريخ إننا إذا كنا قد خدمنا البشرية بحضارتنا الإسلامية العربية في قديم الزمان، فلا يمكن إنكار -إلا لجاهل أو مجنون- أن الغرب يخدم البشرية بحضارته الآن. والحقيقة أننا نعيش في كنف التقنية الغربية دون مناكفة أو عناد، وبما أن الغرب هو الذي يصنع لنا كل شيء، بداية من الأفكار والأسلحة وحتى أمواس الحلاقة، فمن الطبيعي -لا أقول إنه صحيح- أن يمارس ضدنا ما يمارسه مدرس الفصل مع طلبته.
فكر إسلامي إن المجتمع الذي يحيا بروح الجهاد ويستعد له، لا يمكن أن يتصدع من داخله، ولا أن تمزقه أحقاد طبقية أو أنانيات فردية، إذ لا شيء أقوى من وحدة الدم. ويستحيل على أي قوة داخلية أن تستبد بهذا المجتمع؛ بل هو في عملية نمو حضاري دائم، بفضل روح الجهاد التي تسيطر عليه، والتي تحتم عليه أن يكون متفوقًا حضاريًا بكل ما يعنيه التفوق من تقدم تكنولوجي واجتماعي. غير أن هذا المجتمع المجاهد القوي المتفوق قد يُغري أفراده بالتوسع، فإن القوة دائمًا ما تُغري باستخدامها، والقدرة تخلق إمكانية استغلالها. لذلك جاء التحديد القاطع لطبيعة الجهاد بأنه لا يكون إلا في سبيل الله ولإعلاء كلمته. فالمسلم يعلم أن القتال لأي هدف سوى إعلاء كلمة الله هو قتال من أجل ما استهدفه، وليس جهادًا، ولا يثاب عليه المسلم ثواب المجاهدين.
تاريخ ومما لا ريب فيه أن النبي محمد كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة. ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة بأكملها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية. وهذا لَعملٌ عظيم لا يقوم به شخص مهما أوتي من قوة، ورجلٌ مثل هذا جديرٌ بالاحترام والإجلال.