حكمة أما أنا، فإني أعد نفسي ظاهرة كونية فريدة. تكمن قوتي في وحدتي وفي تلك المسافة الشاسعة التي باتت تفصلني عن الناس، حتى صرت أراهم كرسوم جدارية ذات بعد واحد أو بعدين. إنهم بالنسبة لي مجرد صفحة في كتاب أقلبها متى شئت.
فلسفة الوجود إن هذا الوجود لَمليءٌ بالأحلام، والمواعيد المخذولة، والليالي الثكلى، وهو يعجُّ بالحزن والوحدة.
حكمة “ دخل حكيم على حكيم في منزله وهو متوحد فقال له : “أيها الحكيم . انك لصبور على الوحدة.” فقال : “ما أنا وحدى فمعى جماعة من الحكماء والأدباء يخاطبوننى وأخاطبهم” , وضرب بيده على رصة كتب بجانبه وقال : “هذا جالينوس حاضرا وهذا بقراط يناظر وسقراط واعظ وأفلاطون لاقط .. وهذا داوود المعلم ” ..”
فلسفة وجودية إنَّ البدايةَ طفلٌ، والنهايةَ طفلٌ؛ وما بينهما طفولةٌ نسعى جاهدين لفطامها. وبين هذين الطفلين وحدةٌ عميقةٌ لا يمزقها إلا صدى الصراخ.
حكمة لا تجلّيكِ مرآتي، رغم ملازمتكِ لي. وإذا ما نظرتُ إلى أعماق ذاتي، باغَتني تبخترُكِ ودلالُكِ. وإذا ما همستُ، فإذا بكِ تفاجئينني بأنكِ وحدكِ من يصغي إلى همسي، وأنكِ وحدكِ من يربتُ على الألم فيُبرأ. فكوني بخيرٍ لأجلي.
الفلسفة الوجودية في الصميم، نحن وحيدون. حياتنا أشبه بالعلب الصينية: علبةٌ داخل علبةٍ تتضاءلُ حجمًا، إلى أن تبلغَ العلبةَ الصغرى في قلبها جميعًا، وإذا في داخلها – لا خاتمٌ ثمينٌ من خواتم ابنة السلطان، بل سرٌّ أثمنُ وأعجب: الوحدة.
حكمة لا بد أن تموت أمامي. إن موت أحبائنا فرصة سانحة للبحث عن بدائل. في قطارات شرق الدلتا، اعتدتُ أن أختار سيدة مناسبة تفتح لي خزانة تعاطفها عندما أخبرها بوفاة أمي وأنا في السادسة من عمري. في الحقيقة، حدث هذا وأنا في السابعة، ولكن كلمة “السادسة” تبدو أشد تأثيرًا؛ فالأمهات في منتصف العمر يدمنَّ الحزن، ربما لتبرير حداد سابق لأوانه. والرتوش البسيطة أثناء الحكي لها سحر لن يفهمه أبدًا من لم يضطروا لسرقة حنان الآخرين.