حكمة إذا سرتُ في الأرض الفضاءِ رأيتُني أُصانِعُ رَحلي أن يميلَ حِيالِيا يميناً إذا كانت يميناً، وإن تكُن شمالاً يُنازِعني الهوى عن شمالِيا وإنّي لأستغشي وما بي نعسةٌ لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خيالِيا
حكمة الخلوة فكرٌ، والجلوة ذكرٌ، وبينهما تنتصب معارج الأرواح. ولا وصول إلى مدارجها إلا بالضرب في الأرض حتى مجمع البحرين. وللطريق عقبات ووهادٌ، فللجبال تعبٌ، وللصحراء لهبٌ. والسائر بينهما يتعالى ويتدلى بين خفاء وجلاء. ومن ظن أن بلوغ ماء مدين يكون بغير سفر، فهو واهم. فاحمل مزودك على عصاك يا قلبي وارحل، فعلى شاطئ الجوار الآمن توجد منازل المحبين.
حكمة إن المسلمين اعتبروا الهجرة بداية تاريخهم في الحياةولم يعدوا ميلاد نبيهم ولا مبعثة مبدأ لذلك التاريخ الحافل البعيد ولم يكن هذا التصرف إلا فقهاً منهم في دينهموبصراً نافذاً في معرفة حقيقته وتقديس روحه فالهجرة سفراً من مكة إلى المدينةحادث لا يذكر ولا يقدر . فكم في الدنيا من أسفار أطول أمداً وأبعد شقة من هذا السفر القاصد . إنما روعة الهجرة أنها عقيدة وتصحية وفداء وكفاح وإصرار غريب على مغاضبة الدنيا الثائرة الحاقدة ! والتذرع بالوسائل التي في مقدور البشر مغالبتها فإما موت كريم و إما نصر كريم . هذه الحفنة من المؤمنين الأبطالهم الذين أعطوا الهجرة بأعمالهم الخالدة روح الخلودوعلموا الحياة كيف ترجع المبادئ بكل ما توزن به من مآرب أو متاعب وكيف تتخطى كل ما يعوقها من صعاب . {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ولو أدرك المسلمون من التأريخ بالهجرة هذا المعنى الساميما اضطربت أحوالهم هذا الاضطراب المؤسف فلا هم الذين حرصوا على الحياة في أية بقعة من بقاع الأرضولا هم ماتوا دون أن ينال أعداؤهم منهم ما نالوا : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}