الكلماتُ هي الكلماتُ؛ تصنعُ الغدرَ والخيانةَ، والوشايةَ والتضليلَ، وخداعَ النفسِ. وهي الحبُّ والنبالةُ. وعليكَ أن تعرفَ الكلماتِ وتُعاشرَها وتراها من كلِّ الأوجهِ، ولن تُعطيكَ أبدًا سرَّها. ستظلُّ ساحرةً، لغزًا مُبهمًا. الكلماتُ حظِّي من الحياةِ، وثروتي وميراثي، وشوقي وإحباطي وآمالي.
قبل أن يتشكل الكلام، كان الجسد هو السبيل، وقبل أن تكتمل الأفواه بالحروف، كان الإنسان قديمًا يخاطب الوجوه بكيانه الجسدي. يقال إن الإنسان في بعض مراحله التاريخية كان أبكم، لا يمتلك سوى أصواتٍ يحاكي بها الكائنات من حوله، ولم تكن لديه لغةٌ يعبر بها عن فرحه أو خوفه، أو حزنه أو حبه، سوى قاموسٍ واحد، هو قاموس جسده، الذي يفيض بالتعبير من رأسه إلى جبينه، ومن يديه إلى رجليه. وحين يدهم الجزع مجموعة من البشر، كانت تلتف على بعضها، وتعبر عما بداخلها بلغة جسدية مشتركة. وربما كانت هذه حكاية متكررة لأصل رقصات الشعوب التي لم تكن تكذب في وصف ذاتها. كان هذا قبل أن تتحول الأصوات إلى كلمات، وهذا أثرٌ قديم جدًا، حينما كان الإنسان لا يغش ولا يزوّر، حينما كان يتكلم بجسده فحسب، وحينما كانت الشعوب تعبر بأجسادها فقط.
أتَعرف ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار في كلمة. وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة، لو تعرف حرمتها، زادٌ مذخور. الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور.
تتأمل الكاتبة في تجربة الأمومة وانتقال الإرث الثقافي والعاطفي عبر الأجيال، حيث تجد نفسها محاصرة بين لغتين وثقافتين في تهويد أطفالها. فبينما يفضل أطفالها أغاني والدهم الإنجليزية، تحاول هي استحضار حكايات جدتها وأغانيها العربية، لتكتشف أن حزن الأجداد وبكائياتهم قد تسربت إلى نبرة صوتها، مما يجعل حتى الأغاني المبهجة تبدو حزينة في آذان صغارها. إنها رحلة اكتشاف للصلة العميقة بين الأمومة والذاكرة الجمعية، وكيف تتجسد الأجيال السابقة في صوت الحاضر، حاملة معها همومها وأفراحها.