🔖 شعر فلسفي اجتماعي
🛡️ موثقة 100%

أقبلَ العيدُ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّةُ،
لا أرى إلاَّ وجوهاً كالحاتٍ مكفهرَّةْ.
كالرَّكايا لم تَدَعْ فيها يدُ الماتحِ قَطْرَةً،
أو كمثلِ الرَّوضِ لم تَتْركْ به النكباءُ زَهْرَةْ.
وعيوناً دَنَقَتْ فيها الأماني المستحرَّةُ،
فهيَ حَيرى ذاهلاتٌ في الذي تهوى وتكرهُ.
وخدوداً باهتاتٍ قد كساها الهَمُّ صُفْرَةْ،
وشفاهاً تحذرُ الضحكَ كأنَّ الضحكَ جَمْرَةْ.
ليسَ للقومِ حديثٌ غيرُ شكوى مستمرَّةْ،
قد تساوى عندهمْ لليأسِ نفعٌ ومضرَّةْ.
لا تَسَلْ ماذا عراهمْ، كلُّهم يجهلُ أمرَهُ،
حائرٌ كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وَكْرَهُ.
فوقَهُ البازيُّ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَةْ،
فهو إنْ حَطَّ إلى الغبراءِ شَكَّ السهمُ صدرَهُ،
وإذا ما طارَ لاقى قَشْعَمَ الجوِّ وصَقْرَهُ.
كلُّهم يبكي على الأمسِ ويخشى شرَّ بُكْرَةْ،
فهمُ مثلُ عجوزٍ فقدتْ في البحرِ إبْرَةْ.
***
أيُّها الشاكي الليالي، إنَّما الغبطةُ فِكْرَةْ،
ربَّما استوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَةْ.
وخلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّةْ.
تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَةْ،
وإذا رفَّتْ على القَفْرِ استوى ماءً وخُضْرَةْ،
وإذا مَسَّتْ حصاةً صَقَلَتْها فهيَ دُرَّةْ.
لكَ، ما دامتْ لكَ، الأرضُ وما فوقَ المجرَّةْ،
فإذا ضَيَّعْتَها فالكونُ لا يَعْدِلُ ذَرَّةْ.
أيُّها الباكي رويداً، لا يسدُّ الدمعُ ثَغْرَةْ،
أيُّها العابسُ لن تُعطَى على التقطيبِ أُجْرَةْ.
لا تكنْ مُرَّاً، ولا تجعَلْ حياةَ الغيرِ مُرَّةْ.
إنَّ مَن يبكي لهُ حَوْلٌ على الضحكِ وقُدْرَةْ،
فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ، فالفتى العابسُ صَخْرَةْ.
سَكَنَ الدهرُ وحانتْ غفلةٌ منهُ وغِرَّةْ،
إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثلُ العُرْسِ مَرَّةْ.

إيليا أبو ماضي العصر الحديث
شعبية المقولة
10/10
💡

ما وراء الكلمات (الشرح والمعنى)

هذه القصيدةُ الرائعةُ لإيليا أبي ماضي تُصوِّرُ حالةَ اليأسِ والتشاؤمِ التي قد تسيطرُ على الناسِ، حتى في أوقاتِ البهجةِ كالعيدِ، ثم تنتقلُ إلى دعوةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ للتفاؤلِ وتغييرِ النظرةِ إلى الحياةِ. يبدأُ الشاعرُ بوصفٍ مؤلمٍ لوجوهِ الناسِ الكئيبةِ المكفهرَّةِ، مُشبِّهاً إياها بالآبارِ الجافةِ والحدائقِ التي عصفَتْ بها الرياحُ، مما يدلُّ على استنزافِ الأملِ والفرحِ من أرواحِهم. يعرضُ الشاعرُ كيف أنَّ الهمومَ قد أصفرَّتْ خدودَهم، وجعلتْ الضحكَ مُحرَّماً كالجمرِ، وأنَّ حديثَهم لا يتجاوزُ الشكوى المستمرَّةَ، حتى تساوى عندهم النفعُ والضررُ في بحرِ اليأسِ. ويُصوِّرُ حيرتَهم كطائرٍ خائفٍ ضيَّعَ وكرَهُ، محاطاً بالمخاطرِ من كلِّ جانبٍ، لا يجدُ مفرَّاً من الشقاءِ، يبكي على الماضي ويخشى المستقبلَ، في يأسٍ مطبقٍ كعجوزٍ فقدتْ إبرةً في بحرٍ لا ساحلَ له.

بعد هذا التصويرِ القاتمِ، ينتقلُ الشاعرُ إلى الجزءِ الثاني من القصيدةِ، وهو دعوةٌ حارةٌ للتفاؤلِ وتغييرِ التفكيرِ. يُعلنُ أنَّ الغبطةَ والسعادةَ ليستْ مرتبطةً بالظروفِ الماديةِ أو الثراءِ، بل هي "فِكْرَةٌ" تنبعُ من الداخلِ. هذه الفكرةُ قد تسكنُ كوخاً فقيراً وتغيبُ عن القصورِ الفخمةِ. إنها قوةٌ سحريةٌ تحوِّلُ الغصنَ العاريَ إلى نضارةٍ، والقفرَ الجافَّ إلى ماءٍ وخُضرةٍ، والحصاةَ العاديةَ إلى دُرَّةٍ نفيسةٍ. يؤكدُ الشاعرُ أنَّ الكونُ بأسرهِ ملكٌ للإنسانِ ما دامَ يمتلكُ هذه الفكرةَ الإيجابيةَ، وإذا ضيَّعَها، فإنَّ الكونُ بأسرهِ لا يساوي ذرةً في عينيه.

يُخاطبُ الشاعرُ الباكيَ والعابسَ، مُذكِّراً إياهم بأنَّ الدمعَ لا يسدُّ ثغرةً، وأنَّ العبوسَ لا يُجلبُ أجراً. يدعوهم إلى عدمِ نشرِ المرارةِ، وإلى إدراكِ أنَّ لديهم القدرةَ على الضحكِ والفرحِ. ويختتمُ القصيدةَ بدعوةٍ صريحةٍ للتهلُّلِ والترنُّمِ، مُشبِّهاً العابسَ بالصخرةِ الجامدةِ. ويُشيرُ إلى أنَّ الدهرَ قد يغفلُ ويُعطي فرصةً للفرحِ، وأنَّ العيدَ فرصةٌ نادرةٌ للفرحِ كالعرسِ، لا ينبغي تفويتُها باليأسِ. إنها فلسفةٌ تُعلي من شأنِ الإرادةِ الداخليةِ والمنظورِ الإيجابيِّ في صناعةِ السعادةِ الحقيقيةِ.

وسوم ذات صلة