حكمة
نص موثق
«

نسيانُكَ الجانيَ المسيءَ فضيلةٌ، وخمودُ نارٍ جَدَّ في إشعالها. فاربأْ بنفسكَ والحياةُ قصيرةٌ، أن تجعلَ الأضغانَ من أحمالِها.

»
إيليا أبو ماضي العصر الحديث (المهجر)

جوهر المقولة

تُقدِّمُ هذه الأبياتُ حكمةً بالغةً في فنِّ التعاملِ مع الإساءةِ وفي إدارةِ شؤونِ النفسِ في رحلةِ الحياةِ. يرى الشاعرُ أنَّ نسيانَ من أساءَ إلينا ليس ضعفًا أو غفلةً، بل هو "فضيلة" أخلاقيةٌ وروحيةٌ رفيعةٌ. هذا النسيانُ لا يعني التغافلَ عن الحقِّ، بل هو تحررٌ من ثقلِ الماضي السلبيِّ، ورفضٌ لاستمرارِ تأثيرِ الأذى على الحاضرِ والمستقبلِ.

يُشبِّهُ الشاعرُ هذا النسيانَ بـ"خمودِ نارٍ جَدَّ في إشعالها"، في دلالةٍ عميقةٍ على أنَّ التسامحَ والنسيانَ يُطفئانِ نارَ العداوةِ أو الغضبِ التي قد يكونُ المسيءُ قد سعى لإشعالها، وبالتالي يمنعُ استمرارَ دائرةِ الانتقامِ أو الحقدِ التي لا تُفضي إلا إلى مزيدٍ من الألمِ. إنه فعلٌ واعٍ لقطعِ سلسلةِ الكراهيةِ.

ثم ينتقلُ الشاعرُ إلى نصيحةٍ عمليةٍ وفلسفيةٍ: "فاربأْ بنفسكَ والحياةُ قصيرةٌ، أن تجعلَ الأضغانَ من أحمالِها". هنا يدعو إلى صونِ النفسِ ورفعها عن الانشغالِ بالضغائنِ والأحقادِ. يربطُ بين قصرِ الحياةِ وضرورةِ استغلالها فيما هو أسمى وأكثرُ نفعًا للروحِ. فالأضغانُ هي أحمالٌ ثقيلةٌ تُثقلُ الروحَ، وتستهلكُ طاقةَ الإنسانِ ووقتَ حياتهِ القصيرِ في أمورٍ سلبيةٍ لا تُجدي. الفلسفةُ هنا تدعو إلى التسامحِ ليس فقط من أجلِ الآخرِ، بل أساسًا من أجلِ سلامةِ الذاتِ وسعادتها وتحررها من قيودِ الماضي المريرِ.