حكمة
نص موثق
«

ومتى تأمَّلْتَ الزمانَ وجدتَهُ … أجَلاً وأيامُ الحياةِ سقامُ
نُضحي ونُمْسي ضاحكينَ وإنما … لبكائِنا الإصباحُ والإظلامُ
ونُسَرُّ بالعامِ الجديدِ وإنما … تسري بنا نحو الردى الأعوامُ
في كلِّ يومٍ زورةٌ من صاحبٍ … منا إلى بطنِ الثرى ومقامُ

»
الشريف المرتضى العصر العباسي

جوهر المقولة

يُقدِّمُ الشريفُ المرتضى في هذه الأبياتِ تأمُّلاً وجوديًا عميقًا ومُتشائمًا حولَ طبيعةِ الزمانِ والحياةِ والموتِ. يبدأُ بتصويرِ الزمانِ كـ"أجلٍ" محتومٍ، وأنَّ أيامَ الحياةِ ليستْ سوى "سقامٍ" (مرضٍ) يُفضي حتمًا إلى الفناءِ. هذهِ النظرةُ تُجرِّدُ الحياةَ من معناها الظاهريِّ، وتُعيدُ تعريفَها كرحلةٍ نحو النهايةِ.

يُبرزُ الشاعرُ المفارقةَ المؤلمةَ في سلوكِ البشرِ؛ فنحنُ "نُضحي ونُمْسي ضاحكينَ"، أي نعيشُ حياتَنا بلهوٍ وسرورٍ ظاهريٍّ، بينما الحقيقةُ الكامنةُ هي أنَّ كلَّ إشراقةِ صباحٍ وكلَّ حلولِ ظلامٍ ما هي إلا خطواتٌ نحو البكاءِ والأسى الأبديِّ، أي الموتِ. تتجلَّى هذهِ المفارقةُ بشكلٍ أوضحَ في ابتهاجِ الناسِ بقدومِ العامِ الجديدِ، في حينَ أنَّ كلَّ عامٍ يمرُّ "يسري بنا نحو الردى"، أي يُقرِّبُنا من الموتِ والهلاكِ، مُسلِّطًا الضوءَ على وهمِ الفرحِ في مواجهةِ حقيقةِ الزوالِ.

يختتمُ الشاعرُ قصيدتَهُ بتذكيرٍ قاسٍ ومباشرٍ بالموتِ اليوميِّ؛ ففي كلِّ يومٍ يزورُ أحدُ الأصدقاءِ أو الأقاربِ "بطنَ الثرى" (القبرَ) ليُقيمَ فيهِ إلى الأبدِ. هذه الصورةُ اليوميةُ للموتِ تُعزِّزُ فكرةَ حتميةِ الفناءِ وتُلقي بظلالِها على كلِّ لحظةٍ من لحظاتِ الحياةِ، مُجَسِّدًا فلسفةَ الزهدِ والتشاؤمِ من الوجودِ الباني على العدمِ.