حكمة
نص موثق
«

قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الزهد في الدنيا؟ قال: «إنه ليس بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأغنى به عما في يدك». وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزع على المسلمين بيادر الدراهم والدنانير، ثم يدخل بيته وليس فيه طعام، حتى إن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: «كنا نمكث الشهر والشهرين لا توقد في بيوتنا نار (للطبخ)، وإنما هو الأسودان: التمر والماء». وقد قيل: «أفضل الزهد إخفاء الزهد»

»
علي بن أبي طالب صدر الإسلام، العصر النبوي، عصر الخلفاء الراشدين

جوهر المقولة

توضح هذه المقولة الشاملة جوهر الزهد الحقيقي في الإسلام، وتصوّب المفاهيم الخاطئة عنه. فالزهد ليس حرمان النفس من الطيبات التي أحلها الله، ولا هو إتلاف للمال وتبديده، بل هو حالة قلبية عميقة تتجلى في الثقة المطلقة بما عند الله سبحانه وتعالى، واليقين بأن رزقه وعطاءه خير وأبقى وأكثر أمانًا مما يملكه الإنسان في يده.

تُقدم سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثالًا عمليًا حيًا لهذا الزهد؛ فقد كان يوزع الأموال الطائلة على المسلمين، ومع ذلك كان يدخل بيته ولا يجد فيه طعامًا، مما يدل على عدم تعلقه بالدنيا وزهده فيها رغم قدرته على امتلاكها. وشهادة عائشة رضي الله عنها تؤكد هذا المعنى، حيث كانت بيوتهم تخلو من النار الموقدة للطبخ لأشهر متتالية، ويكتفون بالأسودين: التمر والماء، مما يعكس أعلى درجات القناعة والتوكل.

أما الشق الثالث من المقولة، وهو «أفضل الزهد إخفاء الزهد»، فيشير إلى بعد أخلاقي رفيع، وهو أن الزاهد الحقيقي لا يستعرض زهده أمام الناس، بل يجعله بينه وبين ربه، تجنبًا للرياء وحفاظًا على الإخلاص، فالزهد الخفي أبعد عن آفات النفس وأقرب إلى القبول.