جوهر المقولة
تُقدم هذه المقولة لابن خلدون رؤية عميقة للعلاقة بين الفلسفة والإيمان، وتُشير إلى أن التعمق في الفكر الفلسفي قد يُفضي إلى نتائج مختلفة تماماً عن مجرد التصفح السطحي. يرى ابن خلدون أن القراءة القليلة في الفلسفة قد تُؤدي إلى الإلحاد، بينما القراءة المتعمقة تُؤدي إلى الإيمان.
فلسفياً، يُمكن تفسير هذا التمييز على النحو التالي. أولاً، القراءة السطحية أو الجزئية للفلسفة قد تُعرض الفرد لبعض الشكوك والتساؤلات التي تُثيرها الفلسفة حول المسلمات الدينية أو الوجودية دون أن تُقدم له الأدوات الكافية لحل هذه الإشكاليات أو تجاوزها. فالفلسفة في بداياتها تُعلم الشك والتحليل والتساؤل، وهذا قد يُزعزع اليقين الديني لدى من لم يتعمق فيها بما يكفي ليجد الأجوبة أو ليدرك حدود العقل البشري. هذا الشك قد يُفضي إلى رفض الأديان أو الإلحاد، لأنه يرى التناقضات الظاهرية دون أن يصل إلى الانسجام الكامن أو إلى حدود المعرفة العقلية.
ثانياً، أما من يقرأ الكثير ويتعمق في الفلسفة، فإنه يصل إلى مستويات أعمق من الفهم. يُدرك حدود العقل البشري وقصوره عن الإحاطة بكل الحقائق الوجودية. يرى أن هناك أسئلة لا يُمكن للعقل وحده أن يُجيب عنها، وأن هناك حقائق تتجاوز المنطق المادي. هذا التعمق قد يُقوده إلى الإيمان، ليس بالضرورة إيماناً تقليدياً أعمى، بل إيماناً مبنياً على بصيرة فلسفية تُدرك ضرورة وجود خالق أو قوة عليا تُفسر الوجود والكون. قد يصل إلى قناعة بأن الكون ليس عبثياً، وأن له غاية ومعنى، وأن العقل البشري، رغم قدرته، لا يُمكنه أن يُفسر كل شيء بمفرده. كما أن التعمق في الفلسفة يُمكن أن يُظهر له التوافق بين بعض الأفكار الفلسفية العميقة والمبادئ الدينية الأساسية، مما يُعزز لديه الإيمان بدلاً من تقويضه. تُعد هذه المقولة دعوة إلى التعمق في المعرفة وعدم الاكتفاء بالسطحيات، خاصة في المجالات الفكرية الكبرى كالفلسفة والدين.