حكمة
نص موثق
«

جُبلت على ما أنا عليه بغير اختيار مني، ولو أنني خُيّرت لاخترت أن أكون مهذبًا. أروم شيئًا فلا أُعطاه، ويُعطى لي ما لم أرده. وقد قصر علمي عن إدراك الغيب، فأُصرف عن مقاصدي، ويبقى علمي قاصرًا، وأمسي ولا أجد سوى الندم رفيقًا.

»
بشار بن برد العصر العباسي

جوهر المقولة

تُجسد هذه الأبيات فلسفة القدرية والجبر في أعمق صورها، حيث يعبر الشاعر عن شعور عميق بالعجز الإنساني أمام إرادة قاهرة تتحكم في مصيره وطباعه. يبدأ الشاعر بالإقرار بأن طبيعته وخصاله ليست نتاج اختياره الحر، بل هي جبلة فُطر عليها، ولو كان له الخيار لاختار لنفسه طريقًا آخر أكثر تهذيبًا وكمالًا.

ثم ينتقل الشاعر إلى تصوير مفارقة الحياة المؤلمة، حيث تتصادم رغبات الإنسان مع واقع لا يستجيب لها: فهو يرغب في أمر فلا يناله، بينما يُمنح ما لم يكن يرغب فيه. هذا التضاد بين الإرادة والرغبة وبين الواقع المعاش يُبرز محدودية القدرة البشرية على التحكم في مجريات الأمور.

ويُختتم النص بالاعتراف بقصور العلم الإنساني عن إدراك الغيب وما خفي من الأقدار، مما يؤدي إلى صرفه عن مقاصده ورغباته، فلا يجد في نهاية المطاف سوى الندم على ما فات أو ما لم يتحقق. إنها صرخة وجودية تُعبر عن الإحساس بالقيود التي تُفرض على الإنسان، وتُلقي الضوء على التوتر الأزلي بين حرية الإرادة وضرورة القدر.