حكمة
نص موثق
«

وَكَمْ تَشَفَّعَ بِي أَلَّا أُفَارِقَهُ، وَبِضَرُورَاتِ حَالٍ لَا تُشَفِّعُهُ.

»
علي بن زريق البغدادي العصر العباسي

جوهر المقولة

يُعبِّرُ هذا الشطرُ الشعريُّ عن إحساسٍ عميقٍ بالحنينِ ومرارةِ الفراقِ القسريِّ. فالشطرُ الأولُ، "وَكَمْ تَشَفَّعَ بِي أَلَّا أُفَارِقَهُ،" يُصوِّرُ التوسُّلَ الشديدَ أو الرغبةَ الجامحةَ من المحبوبِ (شخصٍ أو مكانٍ) في بقاءِ الشاعرِ، مُبرزًا عمقَ الرابطةِ العاطفيةِ وصعوبةَ الرحيلِ. يوحي بأنَّ المحبوبَ بذلَ كلَّ جهدٍ، وربما استغلَّ مشاعرَ الشاعرِ نفسِهِ شفيعًا، لمنعِ الفراقِ.

أما الشطرُ الثاني، "وَبِضَرُورَاتِ حَالٍ لَا تُشَفِّعُهُ،" فيكشفُ عن قسوةِ القدرِ وغلَبَةِ الظروفِ القاهرةِ التي لا يمكنُ مقاومتها. فمهما كانت قوةُ الرغبةِ في البقاءِ، ومهما كانت شدةُ التوسلِ والشفاعةِ، فإنَّ هناكَ ضروراتٍ حياتيةً أو قدريةً لا تقبلُ الشفاعةَ ولا تُعيرُ اهتمامًا للعواطفِ. هذه الضروراتُ تُجبرُ الإنسانَ على اتخاذِ قراراتٍ مؤلمةٍ، وتُفْرِضُ عليه فراقَ مَنْ يُحبُّ أو ما يُحبُّ، حتى لو كانَ ذلكَ ضدَّ رغباتِهِ العميقةِ.

المقولةُ تُجسِّدُ الصراعَ الأزليَّ بينَ الرغبةِ والواقعِ، بينَ القلبِ والعقلِ، وبينَ الإرادةِ الفرديةِ والظروفِ المحيطةِ التي قد تكونُ أقوى من كلِّ إرادةٍ. إنها مرثيةٌ للفراقِ الذي تُمليهِ الأقدارُ، وتُبرزُ عجزَ الإنسانِ أحيانًا أمامَ جبروتِ الظروفِ.