حكمة
نص موثق
«

إذا كنتَ ترضى أن تعيشَ بذلةٍ *** فلا تسعدَّنَّ الحسامَ اليمانيا
فلا ينفعُ الأسدَ الحياءُ من الطَّوى *** ولا يُتقى حتى يكونَ ضواريًا

»
المتنبي العصر العباسي

جوهر المقولة

تُعدُّ هذه الأبياتُ من روائعِ المتنبي التي تُجسِّدُ فلسفةَ العزَّةِ والإباءِ ورفضِ الذلِّ. فهي تُخاطبُ الإنسانَ الذي يرتضي لنفسِه حياةَ المهانةِ والخضوعِ، مُحذِّرةً إياه من أنَّه لا يليقُ بهِ أن يستعدَّ للكرامةِ أو يُمسكَ بسلاحِ العزِّ، فالسيفُ اليمنيُّ، وهو رمزٌ للقوةِ والبطولةِ، لا يُستلُّ إلا دفاعًا عن الشرفِ والكرامةِ، لا لمن ارتضى لنفسِه الذلَّ.

ثمَّ ينتقلُ الشاعرُ إلى ضربِ مثلٍ بليغٍ من عالمِ الحيوانِ ليُعزِّزَ فكرتَه؛ فالأسدُ، ملكُ الغابةِ ورمزُ القوةِ، لا ينفعُه حياؤُه من الجوعِ (الطوى) إذا لم يفترسْ ويُقاتلْ من أجلِ بقائِه. فالحياءُ، وإن كانَ خلقًا محمودًا، إلا أنَّه لا يُجدي نفعًا في مواقفِ الصراعِ والبقاءِ حيثُ تتطلبُ الشراسةُ والقوةُ. وكذلكَ الإنسانُ، لا يُخشى جانبُه ولا يُحترمُ إلا إذا كانَ قويًّا شرسًا في الدفاعِ عن حقِّه وعن نفسِه.

إنَّ جوهرَ هذه الفلسفةِ يكمنُ في أنَّ الكرامةَ لا تُمنحُ، بل تُنتزعُ وتُصانُ بالقوةِ والعزيمةِ. فمن أرادَ أن يُهابَ ويُحترمَ، فعليهِ أن يكونَ قويًّا صلبًا في مواجهةِ التحدياتِ، لا أن يستسلمَ للذلِّ والخضوعِ. إنها دعوةٌ إلى الشجاعةِ والإقدامِ ورفضِ كلِّ ما يُنقصُ من قدرِ الإنسانِ وكرامتِه.