حكمة
نص موثق
«

أعظمُ بلاءٍ للعقول اجتماعُ الجهل والكِبر فيها، فتُحبُّ العلوَّ ولا تجدُ ما يرفعُها إلا بإظهار الجهل في صورة العلم. وقد قيل إن أعرابيًا قال لابنه: ما لي أراكَ ساكتًا والناس يتكلمون؟ قال: لا أُحسنُ ما يُحسنون. فقال الأعرابي: إن قيل: لا، فقل: نعم، وإن قيل: نعم، فقل أنت: لا، وشاغبهم ولا تقعد غافلاً لا يُشعرُ بك.

»
عبد العزيز الطريفي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُشير هذه المقولة الفلسفية العميقة إلى آفة خطيرة تُصيب العقول وتُعيق تقدمها، وهي اجتماع الجهل والكِبر. فالجهل بذاته نقص، لكنه يصبح بلاءً عظيمًا حين يقترن بالكِبر، الذي يدفع صاحبه إلى ادعاء المعرفة والعلو، حتى وإن كان خاليًا منها. هذا الاقتران يُنتج سلوكًا مُضللاً يتمثل في محاولة إظهار الجهل بمظهر العلم، وهو ما يُعدُّ تزييفًا للحقيقة وتضليلاً للذات والآخرين.

والقصة الملحقة بالأعرابي وابنه تُعزز هذا المعنى، حيث يمثل الأب هنا نموذجًا للكِبر والجهل المركب. فهو لا يريد لابنه أن يكون جاهلاً فحسب، بل يريد له أن يظهر بمظهر العالم أو على الأقل ألا يكون مغمورًا، حتى لو كان ذلك بالجدال العقيم أو المخالفة لمجرد المخالفة. هذا السلوك يعكس رغبة في الظهور والتميز الزائف، وهو ما يُعدُّ علامة على ضعف العقل وعدم قدرته على إنتاج المعرفة الحقيقية، فيلجأ إلى المراء والجدل كبديل عن الحجة والبرهان. إنها دعوة للتواضع العلمي والبحث عن الحقيقة، لا ادعائها أو تزييفها.