حكمة
نص موثق
«

حصانٌ رزانٌ ما تَزِنُّ بريبةٍ، وتُصْبِحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوَافِلِ.
حليلةُ خيرِ الناسِ ديناً ومَنْصِباً، نبيِّ الهُدَى، والمَكْرُماتِ الفَوَاضِلِ.
عقيلةُ حَيٍّ من لُؤَيِّ بنِ غالبٍ، كِرامِ المساعي، مَجْدُها غيرُ زائلِ.
مُهذَّبةٌ قدْ طَيَّبَ اللهُ خِيمَها، وطَهَّرَها من كلِّ سوءٍ وباطلِ.
فإن كنتُ قد قلتُ الذي قد زعمتمُ، فلا رَفَعَتْ سَوْطي إليّ أنامِلي.
وإنّ الذي قدْ قيلَ ليسَ بلائقٍ بها الدهرَ، بل قولُ امرىءٍ بيَ ماحِلِ.
فكيفَ وَوُدّي ما حَيِيتُ ونُصْرَتي لآلِ نبيِّ اللهِ زينِ المحافلِ.
لهُ رُتَبٌ عالٍ على الناسِ كلهمْ، تقاصرُ عنهُ ثَوْرَةُ المتطاولِ.
رأيتكِ، وليغفرِ لكِ اللهُ، حرةً منَ المُحصَناتِ غيرَ ذاتِ غوائلِ.

»
حسان بن ثابت صدر الإسلام

جوهر المقولة

هذه الأبياتُ جزءٌ من قصيدةٍ عظيمةٍ للشاعرِ حسانِ بنِ ثابتٍ، رضي الله عنه، تُعرفُ بقصيدةِ الدفاعِ عن أمِّ المؤمنينَ السيدةِ عائشةَ، رضي الله عنها، في حادثةِ الإفكِ الشهيرةِ. هي ليست مجردَ أبياتٍ شعريةٍ، بل هي شهادةٌ تاريخيةٌ وفلسفةٌ أخلاقيةٌ في الذودِ عن الأعراضِ والشرفِ.

يبدأُ الشاعرُ بوصفِ السيدةِ عائشةَ بالعفةِ والطهرِ (حصانٌ رزانٌ)، مؤكداً أنها لا تخوضُ في أعراضِ الغافلاتِ، بل هي بعيدةٌ كلَّ البعدِ عن الريبةِ والشبهاتِ. ثم ينتقلُ لبيانِ شرفِ نسبها ومكانتها الرفيعةِ كزوجةٍ لخيرِ البشرِ وسيدِ الأنبياءِ، صلى الله عليه وسلم، مما يرفعُ من قدرها ويجعلها بمنأى عن أيِّ طعنٍ. يقسمُ الشاعرُ قَسَماً عظيماً بأنه لو كانَ قد قالَ ما نُسبَ إليهِ من سوءٍ في حقها، فلا استحقَّ أن ترفعَ يداهُ سوطَهُ، مؤكداً أنَّ ما قيلَ عنها هو محضُ افتراءٍ من حاقدٍ حاسدٍ.

ويختتمُ حسانُ قصيدتَهُ بالتأكيدِ على ولائهِ العميقِ وحبهِ الشديدِ لآلِ بيتِ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، وأنَّ مكانةَ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، فوقَ كلِّ طاعنٍ أو متطاولٍ. ويُبرئُ السيدةَ عائشةَ، رضي الله عنها، بأنها حرةٌ عفيفةٌ من المُحصَناتِ، لا تحملُ في طياتها أيَّ غوائلَ أو سوءٍ. هذه الأبياتُ تُجسدُ قوةَ الكلمةِ في الدفاعِ عن الحقِّ، وعمقَ الإيمانِ، وسموَّ الأخلاقِ في مواجهةِ الباطلِ والافتراءِ.