حكمة
نص موثق
«

بينما كان الفساد في عهد عبد الناصر يتحسس طريقه على استحياء، ويُقابل بالاستنكار إذا اكتُشف أمره، تحوَّل في عهد السادات إلى مهرجانٍ كبيرٍ يمرح فيه الناس ويقتنصون أية فرصةٍ تتاح لهم فيه دون خوف. وأما في عهد مبارك فقد خفَّ الاستنكار وزال المرح، إذ أصبح الفساد جزءًا لا ينفصم عن النظام نفسه.

»
جلال أمين العصر المعاصر

جوهر المقولة

يُقدِّم هذا التحليل العميق لجلال أمين رؤيةً تاريخيةً وفلسفيةً لتطور ظاهرة الفساد في مصر عبر ثلاثة عصورٍ سياسيةٍ متعاقبةٍ، مُبيِّنًا التحولات الجذرية في طبيعته وتقبُّل المجتمع له. ففي عهد عبد الناصر، كان الفساد ظاهرةً هامشيةً، تتسم بالخفاء والخجل، وتُقابل بالرفض الشديد عند انكشافها، مما يدل على وجود حاجزٍ أخلاقيٍ ومجتمعيٍ قويٍ ضده.

مع قدوم عهد السادات، شهد الفساد تحولًا نوعيًا، إذ أصبح أكثر جرأةً وعلانيةً، بل تحوَّل إلى ما يشبه 'المهرجان' الذي يشارك فيه الناس بابتهاجٍ واستغلالٍ للفرص دون خوفٍ من العواقب، مما يُشير إلى تآكلٍ في القيم الأخلاقية وتراجعٍ في الرقابة المجتمعية. أما في عهد مبارك، فقد بلغ الفساد ذروته، حيث لم يعد مجرد ظاهرةٍ عابرةٍ أو 'مهرجان' مؤقت، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من بنية النظام نفسه، مُتغلغلًا في كل مفاصله. في هذه المرحلة، خفَّ الاستنكار العام، وزال عنصر 'المرح' الذي كان يكتنف فساد السادات، ليتحول إلى واقعٍ مريرٍ ومُعتادٍ، مما يدل على استسلامٍ مجتمعيٍ وتطبيعٍ مع الفساد، وتحوله إلى ثقافةٍ راسخةٍ يصعب اقتلاعها، مما يُعكس انهيارًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا.