صداقة
نص موثق
«

خيرُ الأعوانِ والإخوانِ أشدهم مبالغةً في النصيحةِ.

»
عبد الله بن المقفع العصر العباسي

جوهر المقولة

تُقدّمُ هذه المقولةُ لعبد الله بن المقفعَ معياراً فريداً وعميقاً لتقييمِ الصداقةِ والمعاونةِ الحقيقيةِ. فهي تُشيرُ إلى أنَّ الأصدقاءَ والإخوةَ الأوفياءَ هم أولئكَ الذينَ لا يتردّدونَ في تقديمِ النصيحةِ الصادقةِ، حتى لو بدتْ في شدّتِها أو تكرارِها نوعاً من "المبالغةِ".

من منظورٍ فلسفيٍّ، تُبرزُ هذه الحكمةُ أنَّ جوهرَ العلاقةِ الإنسانيةِ الصادقةِ يكمنُ في النفعِ المتبادلِ والحرصِ على خيرِ الآخرِ، لا في مجرَّدِ المجاملةِ أو التوافقِ السطحيِّ. فالصديقُ الذي "يبالغُ" في النصيحةِ هو من يرى مصلحتكَ العليا، ويخشى عليكَ من الوقوعِ في الخطأِ، ويكونُ مستعداً لتحمُّلِ عناءِ المواجهةِ أو اللومِ في سبيلِ توجيهِكَ نحو الصوابِ، وهذا تعبيرٌ عن عمقِ المودةِ وصدقِ الاهتمامِ.

إنَّ هذه المبالغةَ لا تُقصدُ بها الزيادةُ غيرُ المبرّرةِ، بل تُشيرُ إلى الإلحاحِ والحرصِ الشديدِ على إيصالِ النصيحةِ، وعدمِ التواني عن تكرارِها إن لزمَ الأمرُ، كلُّ ذلكَ بدافعِ المحبةِ الخالصةِ والرغبةِ في الخيرِ. فخيرُ الأصدقاءِ من يكونُ مرآةً لكَ، يُظهرُ لكَ عيوبَكَ ويُعينُكَ على إصلاحِها، حتى لو كانَ ذلكَ مؤلماً في بعضِ الأحيانِ.