نقد اجتماعي، فلسفة، أدب، إعلام
نص موثق
«

في السينما وفي الأدب، يبحر هذا المسخ المحتال الدموي في بحار العالم، بشدقين مفتوحين على الدوام، وبفكين فيهما ألف خنجر، يفكر فينا ويلحس شفتيه. أما خارج السينما والأدب، فلا يبدي القرش أي اهتمام باللحم البشري، ونادراً ما يهاجمنا، اللهم إلا للدفاع عن النفس أو نتيجة خطأ ما. وعندما يخطئ قرش ضعيف البصر، ويظننا دلفيناً أو ذئب بحر، يقضم قضمة ثم يبصقها بقرف؛ إننا قليلو اللحم كثيرو العظم، ولحمنا القليل طعم مريع. الخطرون حقاً هم نحن، وأسماك القرش تعرف ذلك جيداً، ولكنها لا تصنع أفلاماً ولا تكتب روايات.

»
إدواردو غاليانو العصر الحديث/المعاصر

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولة نقداً لاذعاً للتصورات البشرية المشوهة عن الطبيعة، وتحديداً عن الكائنات التي تُصوَّر على أنها شريرة ومفترسة في المخيلة الثقافية. يُشير غاليانو إلى أن الإعلام والأدب غالباً ما يُبالغان في تصوير الخطر الكامن في بعض الحيوانات، كالقرش، ليُحولاها إلى رموز للوحشية والعنف، بينما الواقع يُغاير ذلك تماماً.

الفكرة الفلسفية هنا تتجلى في أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الكائنات الطبيعية بقدر ما يكمن في الإنسان نفسه، وفي قدرته على اختلاق الأوهام وتضخيم المخاوف وتشويه الحقائق. البشر هم من يصنعون الأفلام ويكتبون الروايات، وهم من يُسقطون مخاوفهم ونزعاتهم العدوانية على الآخرين، سواء كانوا بشراً آخرين أو كائنات طبيعية. إنها دعوة للتأمل في مصدر الشر الحقيقي، الذي غالباً ما يكون متجذراً في النفس البشرية وسلوكها، وليس في الطبيعة البريئة من أحكامنا الأخلاقية.