فلسفة الوطن
نص موثق
«

الآن يا وطني أعود إليك، فتُوصَدُ في عيوني كلُّ الأبوابِ. لِمَ ضِقْتَ يا وطني بنا؟ قد كان حلمي أن يزول الهمُّ عني عند بابك، وقد كان حلمي أن أرى قبري على أعتابك. الملح كفَّنني، وكان الموج أرحم من عذابك. ورجعتُ كي أرتاح يومًا في رحابك، فبخلتَ يا وطني بقبرٍ يحتويني في ترابك. فبخلتَ يومًا بالسكنِ، والآن تبخلُ بالكفنِ. ماذا أصابك يا وطني؟

»

جوهر المقولة

تُعدُّ هذه المقولةُ صرخةً مؤلمةً تعكسُ عمقَ مأساةِ الانتماءِ والرفضِ، وهي قصيدةٌ تُعبّرُ عن مرارةِ العودةِ إلى الوطنِ بعد غيابٍ، ليُواجَهَ العائدُ بالصدِّ والإقصاءِ. الشاعرُ يعودُ بقلبٍ مثقلٍ بالآمالِ، حالمًا بأن يجدَ في وطنهِ ملاذًا من الهمومِ ومثوى أخيرًا لجسدهِ، لكنَّه يصطدمُ بواقعٍ قاسٍ حيثُ "تُوصَدُ في عيوني كلُّ الأبوابِ"، في إشارةٍ إلى الرفضِ التامِّ وعدمِ القبولِ.

يتساءلُ الشاعرُ بمرارةٍ عن سببِ هذا الضيقِ والتخلّي من الوطنِ، الذي كان يراهُ مصدرَ الأمانِ والسكينةِ. يُصوّرُ معاناتهُ في الغربةِ حيثُ "الملح كفَّنني وكان الموج أرحم من عذابك"، في استعارةٍ بليغةٍ تُظهرُ قسوةَ الحياةِ بعيدًا عن الوطنِ، وأنَّ الطبيعةَ الصامتةَ كانت أرحمَ من جفاءِ وطنهِ. يبلغُ الألمُ ذروتهُ حين يُبخلُ الوطنُ على ابنِهِ حتى بالقبرِ، بعد أن بخلَ عليهِ بالسكنِ في حياتهِ. هذا التدرّجُ من البخلِ بالسكنِ إلى البخلِ بالكفنِ يُبرزُ حجمَ الخيبةِ والفقدانِ، ويُلقي سؤالًا وجوديًا عن ماهيةِ الوطنِ الذي يُنكرُ أبناءهُ حتى في مماتهم، مُختتمًا بسؤالٍ يحملُ في طياته كلَّ معاني الحسرةِ واللوعةِ: "ماذا أصابك يا وطني؟"، وهو سؤالٌ يتجاوزُ الشاعرَ ليمتدَّ إلى كلِّ من ذاقَ مرارةَ الغربةِ والرفضِ من وطنهِ.