في مآوي العجزة، تتجلى صور ما اقترفه الأبناء بحق والديهم، وخارج أسوارها، نشهد ما ألحقه الآباء بأبنائهم. وخلاصة القول، إن الحياة سلسلة من العقوق المتبادل.
أحيانًا يجنحُ القاربُ صوبَ قناطرَ متوحدةٍ ونائيةٍ عن القرى والمدن، تنتظر تحت لفحِ الرياح شيئًا – تنتظرُ مَن هو بلا وطن… ولمثلِ هذا، ثمةَ عرباتٌ صغيرة (تجرُّ كلاً منها ثلاثةُ جياد)، تندفعُ في المساء بأقصى سرعتها على طرقٍ ممحوةِ الأثر.
إنما سُمِّيَ القلبُ لشدة تقلُّبه، ومَثَلُه في ذلك كمَثَلِ ريشةٍ في فلاةٍ قاحلةٍ، تُقلِّبُها الرياحُ كيفما شاءت، تارةً على ظهرها وتارةً على بطنها.
ما أشد قسوة الحياة! لقد رأيت أطفالًا يعملون في المصانع، وهم لم يكادوا يبلغون العاشرة من أعمارهم. إنهم ضعافٌ هزيلون، مقوسو الظهور، فسدت أخلاقهم منذ الآن. القاعات الخانقة الموبوءة الهواء، وضجيج الآلات، والعمل الذي لا تتخلله فترة راحة كافية، والأحاديث البذيئة التي يسمعها الطفل في هذه البيئة، والمشروبات الكحولية؛ كل هذا لا يخلق مناخًا صالحًا لنفس الطفل. إن الأطفال في حاجة ماسة إلى الشمس والألعاب والقدوة الحسنة، وإلى حد أدنى من الحنان والعاطفة. يجب أن تنتهي هذه المأساة أيها الرهبان، يجب أن يتخلص كل الأطفال من العذاب.
نتشكك في أخلاق الآخرين وكأننا ملائكة معصومة، ونسارع إلى افتراض سوء نواياهم، وسوء تربيتهم، وسوء أخلاقهم.
إذا ما التزم الإنسان بالأعمال الحسنة بدافع الخوف من العقاب أو طمعاً في المكافآت، فذلك مدعاة للأسف العميق.