ما هو الشك؟ إنه إحساس بوجود شيء ما، لا نفي لوجوده. وهل يأتي الشك بعد اليقين؟ نعم، فإذا أيقنت وجود شيء، بدأت تشعر بالشك تجاهه؛ فلا أحد يشك في أمر لا يؤمن بوجوده، أو لم يبلغ حد اليقين في التفكير فيه. وهل يُعد الشك في شيء، أو التفكير في تنوع وجوده أو دلالاته، أمرًا خاطئًا؟ لا؛ فعقل الإنسان يتطور عندما يفكر، والإحساس بالشك هو أولى خطوات التفكير. وهل نقدك أو تعليقك على بعض التصرفات دليل على عدم الإيمان بها، أو أنك تنفي هذا التصرف أو ذاك؟ وهل النقد دليل على الرفض؟ لا؛ فالنقد يُعد ثاني خطوات التفكير للوصول إلى الرقي والكمال. وكلما ازداد شكك ونقدك، ازداد إيمانك بوجود ذلك الشيء المشكوك فيه. وساعة من التفكير تعادل ألف سنة من عدم التفكير.
إن حقيقة الإنسان أنه كائن خلقه الله من تراب، ثم نفخ فيه من روحه ما أسبغ عليه صفة الإنسانية، وما نُفِخَ فيه ليس إلا الضمير، وهو هبة إلهية تميزنا عن سائر الحيوانات، وجزء أصيل من فطرتنا التي لا يكتمل بها وجود الإنسان إلا به. أما العقل والذكاء والنطق والمهارة، فهي قدرات قد يمتلكها الحيوان لو بلغ درجة كافية من التطور، لكنها لا تمنحه جوهر الإنسانية. وإن بعض الناس ليزعمون أن الضمير اختراع بشري، وليس طبيعة فطرية، مستدلين بأن الحيوان لا يدركه، وكأنهم يرون أن ما غاب عن فطرة الحيوان فهو محض اصطلاح بشري، وهذا زعم واهٍ؛ فالضمير من صميم فطرة الإنسان، كما أن الحركة من طبيعة الحيوان. فلا يكون الإنسان إنسانًا بحق إلا بضميره، وهو الذي يرسم لنا القوانين الأخلاقية التي لا تدركها سائر المخلوقات.
أتمنى ألا يساء فهمي، فيُتوهم أنني أرى الديمقراطية غاية وجودنا؛ فالحقيقة أن الديمقراطية ليست سوى وسيلة وأداة لتحقيق التقدم والتطور، فالتقدم هو الهدف الأسمى.
إن صوت الحق الزاحف ليعرف نفسه، وإنه لا ينبثق دائمًا من زلزلة الجماهير الهائجة؛ فثمة هيجانات حمقاء، وثمة أجراس مصروعة، وليست النواقيس جميعها لترن رنين البرونز. إن تذبذب الأهواء والجهالات مختلف عن هزة التقدم. تمرد إن شئت، ولكن لكي تعظم، دلني في أي اتجاه أنت ماضٍ. ليس ثمة ثورة إلا إلى الأمام، وكل تمرد آخر هو شر، وكل خطوة عنيفة إلى الوراء هي فتنة.