إن العصر الراهن هو عصر فقدان التسامي وفقدان الحساسية: هو عصر الجهل، عصر الحاجة إلى كل ما هو جاهز مهيأ. ما من أحد يفكر اليوم، وقليلون أولئك الذين يقدرون على أن يصنعوا لأنفسهم فكرة.
وُلِدَ النزاعُ في حارتنا منذ وُلِدَتْ، ومضى خطرُه يستفحلُ بتعاقبِ الأجيالِ حتى اليومِ والغدِ. ولذلك، فليس أدعى إلى السخريةِ المُرَّةِ من الإشارةِ إلى صلةِ القربى التي تجمعُ بين أبناءِ حارتنا. كنا، وما زلنا، أسرةً واحدةً لم يدخلْها غريبٌ، وكلُّ فردٍ في حارتنا يعرفُ سكانَها جميعًا، نساءً ورجالًا. ومع ذلك، فلم تعرفْ حارةٌ حِدَّةَ الخصامِ كما عرفناها، ولا فرَّقَ بين أبنائها النزاعُ كما فرَّقَ بيننا. ونظيرَ كلِّ ساعٍ إلى الخيرِ تجدُ عشرةَ فُتُوَّاتٍ يلوِّحون بالنبابيتِ، ويدعون إلى القتالِ، حتى اعتادَ الناسُ أن يشتروا السلامةَ بالإتاوةِ، والأمنَ بالخضوعِ والمهانةِ، ولاحقتْهم العقوباتُ الصارمةُ لأدنى هفوةٍ في القولِ، أو في الفعلِ، بل للخاطرةِ تخطرُ فيشي بها الوجهُ.
الشيءُ الجوهريُّ في الروايةِ هو ما لا يمكنُ قولُه إلا في الروايةِ، وفي كلِّ اقتباسٍ لا يبقى سوى الشيءِ غيرِ الجوهريِّ. وفي هذه الأيامِ، على كلِّ من يتوافرُ لديهِ القدرُ الكافي من الجنونِ لكي يستمرَّ اليومَ في كتابةِ الرواياتِ، أن يكتبَها بطريقةٍ يجعلُ اقتباسَها متعذرًا، حمايةً لها. بعبارةٍ أخرى، طريقةٌ تجعلُها غيرَ قابلةٍ لأن تُروى.