جوهر المقولة
هذه المقولةُ العميقةُ لجبران خليل جبران هي صرخةُ ألمٍ ونقدٌ لاذعٌ لحالِ الأمةِ التي تدهورتْ قيمُها ومبادئُها. يبدأُ جبرانُ بتسليطِ الضوءِ على الانحرافِ الروحيِّ والفكريِّ، حيثُ تتخلى الأمةُ عن جوهرِ الدينِ إلى قشورِ المذهبِ، وعن رحابةِ الحقلِ المنتجِ إلى ضيقِ الزقاقِ العقيمِ، وعن عمقِ الحكمةِ إلى سطحيةِ المنطقِ الجافِّ، مما يدلُّ على فقدانِ البصيرةِ والاتجاهِ الصحيحِ.
ثم ينتقلُ إلى وصفِ الانحطاطِ الأخلاقيِّ والجمالياتِ المقلوبةِ، حيثُ تُقدّرُ الأمةُ المغلوبةُ الزركشةَ الزائفةَ وتعتبرُ القبيحَ جميلًا، في إشارةٍ إلى ضياعِ المعاييرِ وتشوّهِ الذوقِ العامِّ. ويُبرزُ التناقضَ الصارخَ بينَ كراهيةِ الضيمِ في الأحلامِ والخنوعِ لهُ في اليقظةِ، مما يكشفُ عن ضعفِ الإرادةِ وغيابِ الشجاعةِ الحقيقيةِ.
ويستمرُّ في نقدِ السلبيةِ والجمودِ، فالأمةُ لا ترفعُ صوتَها إلا في المآتمِ، ولا تفاخرُ إلا في المقابرِ، ولا تتمردُ إلا عندَ حافةِ الهلاكِ، مما يدلُّ على غيابِ الفعلِ الإيجابيِّ والمبادرةِ. ويصفُ سياستَها بالثعلبةِ وفلسفتَها بالشعوذةِ وصناعتَها بالترقيعِ، في إشارةٍ إلى الفسادِ والزيفِ في كلِّ جوانبِ الحياةِ.
ويُختتمُ النقدُ بالتحذيرِ من الترحيبِ المتكررِ بالغزاةِ ثم التبرؤِ منهم لاستقبالِ آخرينَ، مما يعكسُ فقدانَ الهويةِ والكرامةِ الوطنيةِ، ويُشيرُ إلى أنَّ عاقلَها أبكمُ وقويَّها أعمى ومحتالَها ثرثارٌ، في قلبٍ للموازينِ الطبيعيةِ. وتتوجُ المأساةُ بعبارةِ "كلُّ قبيلةٍ فيها أمةٌ"، وهي إشارةٌ إلى التشرذمِ والتفككِ وغيابِ الوعيِ الوطنيِّ الجامعِ، مما يجعلُ هذه الأمةَ عرضةً للزوالِ والانحلالِ.