جوهر المقولة
يتناول نيتشه في هذه المقولة الطبيعة المزدوجة للانعزال عن المجتمع.
فالشطر الأول، "عزلة بعض الناس هروبٌ من مرضهم"، يشير إلى أن بعض الأفراد يلجأون إلى العزلة لا من باب القوة أو الاختيار، بل كمهرب من ضعفهم الداخلي، أو عللهم النفسية، أو إخفاقاتهم الأخلاقية. فعزلتهم هنا هي عرضٌ لمرضهم، وسيلة لتجنب مواجهة "مرضهم" الخاص أو متطلبات الحياة الاجتماعية الصحية التي لا يستطيعون تلبيتها. إنها هروبٌ سلبي، وربما جبان، من مواجهة الذات.
أما الشطر الثاني، "بينما عزلة آخرين هي هروبٌ من المرضى"، فيقدم منظورًا مغايرًا. فالعزلة هنا ليست علامة ضعف، بل فعلٌ واعٍ للانفصال عن ما يُعتبر "مريضًا" أو منحطًا في المجتمع. قد يمتلك هؤلاء الأفراد روحًا متفوقة، أو عقلًا فذًا، أو حساسية مرهفة تجد في القطيع العادي، بمتوسطيته وتقليديته وفساده الأخلاقي، مصدرًا للتلوث أو العرقلة. انسحابهم هو خيارٌ نشط، وإجراء وقائي للحفاظ على سلامتهم، أو رؤيتهم، أو قوتهم من التأثير الموهن للجموع. إنها عزلة أرستقراطية، منفى ذاتي من أجل الصحة الروحية والنقاء الفكري.
تسلط المقولة الضوء على تمييز نيتشه بين أنواع مختلفة من البشر ودوافعهم، مؤكدة أن السلوك الظاهري نفسه (العزلة) يمكن أن ينبع من حالات داخلية متناقضة جوهريًا: إحداها من الضعف والتجنب، والأخرى من القوة والتبصر.