جوهر المقولة
تكشف هذه المقولة لمي زيادة عن طبيعة النفاق الخبيثة والدنيئة، مسلطة الضوء على مكر المنافق وقدرته على التخفي والتمويه. النفاق ليس مجرد كذب صريح، بل هو شكل أكثر تعقيداً وخطورة من الخداع، لأنه يتلبس بلباس الصدق والواقعية ليضلل الآخرين.
فالمنافق لا يكذب كذباً فجاً يسهل كشفه، بل يتكلم "بلهجة تحاذي الصدق". هذا يعني أنه يستخدم كلمات وعبارات تبدو صادقة، أو يتبنى مواقف ظاهرها الحق، أو يقلد نبرة الصادقين، مما يجعل من الصعب على المتلقي التمييز بين قوله وقول الصادق. إنه يمزج القليل من الحقيقة بالكثير من الزيف، ليصنع خليطاً يصعب تفكيكه.
أما قوله "يتلون بلون الواقع المحسوس"، فيشير إلى قدرة المنافق الفائقة على التكيف مع الظروف المحيطة وتغيير مواقفه وأقواله لتناسب الموقف الراهن أو الجمهور الذي يخاطبه. هو لا يمتلك مبدأ ثابتاً، بل يتشكل حسب ما يراه مناسباً لتحقيق مصالحه الشخصية أو لتجنب المواجهة. هذا التلون يجعله يبدو وكأنه جزء لا يتجزأ من الواقع، متفهماً لمتغيراته، بينما هو في الحقيقة يتلاعب به لخدمة أغراضه الخفية.
هذه الدناءة تكمن في أن النفاق يستغل ثقة الناس في الصدق وفي الواقعية، ليطعنهم من الخلف. إنه يفسد العلاقات الإنسانية ويقوض الثقة المجتمعية، لأنه يجعل التمييز بين الحق والباطل أمراً شاقاً، ويزرع الشك في النفوس تجاه كل ما يبدو صادقاً أو واقعياً.