حكمة
نص موثق
«

مَنِ اشتغلَ بنفسِه، شُغِلَ عن الناسِ. ومَنِ اشتغلَ بربِّه، شُغِلَ عن نفسِه وعن الناسِ.

»
أبو سليمان الداراني العصر العباسي

جوهر المقولة

تُقدِّمُ هذه المقولةُ حكمةً عميقةً في مستوياتِ الانشغالِ البشريِّ وتأثيرِها على الروحِ والعلاقاتِ. فالجزءُ الأولُ يُشيرُ إلى أنَّ الإنسانَ الذي يُركِّزُ جلَّ اهتمامِهِ على ذاتِهِ، سواءً في إصلاحِها أو تحقيقِ رغباتِها أو حتى مجردِ التفكيرِ فيها، فإنَّ هذا الانشغالَ سيُبعدُهُ عن الاهتمامِ بالناسِ ومشاغلِهم، وقد يُفضي به إلى نوعٍ من العزلةِ أو الانفصالِ عن المجتمعِ.

أما الجزءُ الثاني، فيُعلي من هذا المفهومِ إلى مرتبةٍ أسمى؛ فالذي ينشغلُ بربِّهِ، أي يُكرِّسُ وقتَهُ وفكرَهُ لعبادةِ اللهِ وذكرِهِ والتأمُّلِ في عظمتِهِ، فإنَّ هذا الانشغالَ يُصبحُ أعمقَ وأشملَ، لدرجةِ أنَّهُ لا يُشغلُهُ عن الناسِ فحسب، بل يُشغلُهُ حتى عن نفسِهِ. وهذا يُعبِّرُ عن حالةِ الفناءِ الروحيِّ والتجرُّدِ من الذاتِ، حيثُ تتلاشى الأنا الفرديةُ في بحرِ العشقِ الإلهيِّ، ويُصبحُ كلُّ الوجودِ مُنصبًّا على الخالقِ وحده، وهي من أعلى مراتبِ الزهدِ والتصوفِ.