حكمة
نص موثق
«

(كي لا تحزن حزنًا كاملًا) عملًا بتلك النصيحة، قرَّرتُ أن أُقلِعَ عن دندنةِ أغنيةِ أم كلثوم: ‘الحبُّ كلُّه حبّيتُهُ فيك.. الحبُّ كلُّه’. فبعدَ جردةٍ للعمرِ كلِّه، يبدو الحبُّ كلُّه لشخصٍ واحدٍ على مدى العمرِ كلِّه كثيرًا عليه. ففي الأمرِ خسارةٌ فادحةٌ، إن أنتَ أعطيتَهُ قلبَكَ كاملًا، ووقتَكَ كاملًا، وحاضرَكَ وغدَكَ، ثمَّ خسرتَ الكلَّ بخسارتِهِ. أن تذهبَ بكلِّكَ إلى الحبِّ، لا يقلُّ سذاجةً عن ذهابِكَ إلى البحرِ، على لوحٍ خشبيٍّ للتزلُّجِ على الأمواجِ العاتيةِ، مُعتقدًا أنَّ شيئًا منك سيعودُ سالمًا بعدَ العاصفةِ. ذلكَ أنَّ البحرَ لن يأخذَكَ بالتقسيطِ! غالبًا ما يُعطي الحبُّ أكثرَ لمن وهبَ الأقلَّ. ضحايا الحبِّ، يشقونَ بكرمِهِم العاطفيِّ، وسخاءٍ مرضيٍّ لا شفاءَ منه. ذلكَ أنَّ الحبَّ يتآمرُ على العشّاقِ بجعلِهِم في حالةِ جوعٍ دائمٍ إلى المزيدِ. فحتى الكلُّ أقلُّ مما يقبلُ به عاشقٌ يصبو إلى الانصهارِ مع من يحبُّ. وفي ذلكَ الحلمِ المستحيلِ يكمنُ هلاكُ العشّاقِ. فبعدَ الانصهارِ.. يأتي زمنُ الانفصالِ والانشطارِ. ويكتشفُ الصادقونَ والسذّجُ حينها، أنَّ في تلكَ القسمةِ غيرِ العادلةِ، من أحبَّ الأكثرَ يجدُ نفسَهُ قد خسرَ الكلَّ.. لا نصفَهُ الآخرَ فحسب!

»
حكيم غير معروف العصر المعاصر

جوهر المقولة

يتأملُ هذا النصُّ العميقُ في مخاطرِ الاستثمارِ العاطفيِّ الكليِّ في شخصٍ واحدٍ أو علاقةٍ واحدةٍ. يبدأُ بنصيحةٍ عمليةٍ (كي لا تحزن حزنًا كاملاً) ثم يوسعُها لتشملَ الحبَّ الرومانسيَّ، مُشيرًا إلى أنَّ تكريسَ الكيانِ بأكملِهِ لشخصٍ آخرَ قد يؤدي إلى خسارةٍ كارثيةٍ إذا فُقدَ ذلك الحبُّ.

تكمنُ الفكرةُ الفلسفيةُ الجوهريةُ في أنَّ الحبَّ، على نحوٍ متناقضٍ، غالبًا ما يكافئُ من يمنحُ الأقلَّ، بينما يصبحُ أولئكَ الذين يمنحونَ "كلَّ شيءٍ" (القلبَ، الوقتَ، المستقبلَ) "ضحايا" له بسببِ "كرمِهم المرضيِّ". هذا الكرمُ يخلقُ "جوعًا دائمًا للمزيدِ"، مما يقودُ إلى حلمٍ مستحيلٍ بالانصهارِ الكليِّ. هذا الحلمُ، على الرغمِ من جاذبيتِهِ، يؤدي في النهايةِ إلى "الهلاكِ" لأنَّ الانفصالَ والانشطارَ جزءٌ أصيلٌ من الوجودِ. يختتمُ النصُّ بأنَّ في هذه القسمةِ غيرِ العادلةِ، يجدُ من أحبَّ أكثرَ أنَّهُ خسرَ كلَّ شيءٍ، لا نصفَهُ الآخرَ فحسب، مُبرزًا الهشاشةَ الكامنةَ في التفاني المطلقِ، وداعيًا إلى نهجٍ أكثرَ حذرًا وحفاظًا على الذاتِ في الحبِّ، وهو تأملٌ في الحفاظِ على الذاتِ، وطبيعةِ التعلقِ، والواقعِ المريرِ للعلاقاتِ الإنسانيةِ والفقدِ.