حكمة
نص موثق
«

كلُّ عارفٍ خائفٌ.
كلُّ قانعٍ غنيٌّ.
كلُّ عاقلٍ مغبونٌ.
كلُّ طامعٍ أسيرٌ.
كلُّ حريصٍ فقيرٌ.
كلُّ فانٍ يسيرٌ.
كلُّ راضٍ مستريحٌ.
كلُّ بريءٍ صحيحٌ.
كلُّ جمعٍ إلى شتاتٍ.

»
أبو الحسن الشاذلي العصر الوسيط

جوهر المقولة

تُقدم هذه المقولات سلسلة من الحكم الصوفية والفلسفية التي تكشف عن حقائق جوهرية في الوجود البشري والعلاقة بين النفس والعالم.

فقوله "كلُّ عارفٍ خائفٌ" يشير إلى أن المعرفة الحقيقية، خاصةً معرفة الله وعظمته، تورث خشيةً وتواضعًا، فكلما ازداد المرء علمًا، ازداد إدراكًا لقصوره وعجزه أمام الحقائق الكبرى، مما يولد رهبةً وخشيةً محمودةً.

"كلُّ قانعٍ غنيٌّ" يؤكد على أن الغنى الحقيقي ليس في كثرة المال، بل في غنى النفس ورضاها بما قسم لها، فالقناعة تجعل المرء يشعر بالاكتفاء والاستغناء عن متاع الدنيا الفاني.

"كلُّ عاقلٍ مغبونٌ" قد يُفهم بأن العاقل الذي يدرك حقيقة الدنيا وزيفها، قد يشعر بالخسارة أو الغبن في سباقها المحموم، لأنه يرى قيمة الأشياء الحقيقية وليست الظاهرية، وقد يُغبن من قِبَل من يجهلون هذه الحقيقة.

"كلُّ طامعٍ أسيرٌ" يوضح أن الطمع يُقيد الإنسان ويجعله عبدًا لشهواته ورغباته، فلا ينفك يسعى وراء المزيد، مما يفقده حريته وراحته.

"كلُّ حريصٍ فقيرٌ" يشبه الطمع، فالحرص الشديد على الدنيا ومتاعها يجعل المرء في حالة فقر دائم، لأنه لا يشبع، ويظل يشعر بالنقص مهما امتلك.

"كلُّ فانٍ يسيرٌ" يذكر بحقيقة زوال كل شيء في هذه الدنيا، وأن كل ما هو فانٍ سهل الزوال والعبور، لا يستحق التعلق به.

"كلُّ راضٍ مستريحٌ" يؤكد على أن الرضا بقضاء الله وقدره يجلب الطمأنينة والراحة النفسية، ويُبعد عن القلب الهموم والأحزان.

"كلُّ بريءٍ صحيحٌ" قد يُقصد به أن النقاء الروحي والبراءة من الذنوب والعيوب تجعل النفس سليمة ومعافاة، أو أن كل شفاء (برء) هو صحيح ومكتمل.

"كلُّ جمعٍ إلى شتاتٍ" يختم هذه الحكم بتذكير قوي بحقيقة الفناء والزوال، وأن كل اجتماع مصيره الافتراق، وكل وحدة مصيرها التشتت، وهي دعوة للتأمل في طبيعة الوجود المؤقتة.