حكمة
نص موثق
«

شَيَّعتُ أَحلامي بِقَلبٍ باكٍ، وَلَمَمتُ مِن طُرُقِ المِلاحِ شِباكي. وَرَجَعتُ أَدراجَ الشَبابِ وَوَردِهِ، أَمشي مَكانَهُما عَلى الأَشواكِ. وَبِجانِبي قَلبٌ واهٍ، كَأنَّ خُفوقَهُ لَمّا تَلَفَّتَ جَهشَةُ المُتَباكي. شاكي السِلاحِ إِذا خَلا بِضُلوعِهِ، فَإِذا أُهيبَ بِهِ فَلَيسَ بِشاكِ. قَد راعَهُ أَنّي طَوَيتُ حَبائِلي، مِن بَعدِ طولِ تَناوُلٍ وَفِكاكِ. وَيْحَ اِبنِ جَنبي، كُلُّ غايَةِ لَذَّةٍ بَعدَ الشَبابِ عَزيزَةُ الإِدراكِ. لَم تُبقِ مِنّا يا فُؤادُ بَقِيَّةً، لِفُتُوَّةٍ أَو فَضلَةٍ لِعِراكِ. كُنّا إِذا صَفَّقتَ نَستَبِقُ الهَوى، وَنَشُدُّ شَدَّ العُصبَةِ الفُتّاكِ. وَاليَومَ تَبعَثُ فِيَّ حينَ تَهْزُّني، ما يَبعَثُ الناقوسُ في النُسّاكِ.

»
أحمد شوقي العصر الحديث

جوهر المقولة

تُجسّد هذه الأبيات رثاء الشاعر لشبابه الذي وَلَّى، وتعبيرًا عن مرارة الشيخوخة وما يصاحبها من ضعف ووهن. يصور الشاعر نفسه وقد ودّع أحلامه وطموحاته التي كانت تزدهر في ريعان الشباب، وجمع شباك صيده التي كانت تُلقى في دروب الجمال والحياة، في إشارة إلى كفّه عن السعي وراء ملذات الدنيا ومفاتنها. لقد عاد القهقرى من حيث أتى الشباب وزهوره، ليجد نفسه يسير على أشواك الألم والحسرة بدلًا من دروب السعادة والجمال.

يصف الشاعر قلبه الواهن الذي أصبح رفيق دربه، فكأن خفقانه ليس إلا أنين المتوجع أو جهشة الباكي الذي يحاول كتمان دموعه. هذا القلب، الذي كان في شبابه قويًا وشاكيًا، أصبح الآن ضعيفًا لا يقوى على الشكوى إلا في خلوته، أما إذا دُعي للجدّ فإنه لا يملك من القوة ما يجعله يشكو أو يقاوم. لقد فاجأه إقدام الشاعر على طي حباله وترك سعيه بعد طول تجوال ومحاولة، فكل لذة بعد الشباب تصبح صعبة المنال وعسيرة الإدراك.

يخاطب الشاعر فؤاده بأسى، مؤكدًا أن الشباب لم يترك فيهما بقية من قوة أو حماسة للقتال أو الصراع. فبعد أن كانا يتسابقان إلى الهوى ويشدان العزم كأقوى الجماعات، أصبح اليوم اهتزاز القلب يبعث في الشاعر شعورًا بالزهد والانعزال، كصوت الناقوس الذي يدعو النساك إلى التبتل والابتعاد عن الدنيا، في دلالة على فقدان الرغبة في الحياة الدنيا والتحول نحو التأمل والقبول بالقدر.